فهؤلاء مرجأون لأمر الله: إما أن يعذبهم، واما ان يتوب علهيم ويغفر لهم.
قراءات:
قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص " مرجون " كما في المصحف، وقرأ الباقون " مرجأون " وهذا في اللغة جائز يقال أرجأت الأمر وأرجيته.
9.107-110
ضرارا: لمحاولة الضرر. ارصادا: ارتقابا. على شفا: على حرف. جرف: جانب الوادي. هار: متداع آيل للسقوط.
سبب نزول هذه الآيات انه كان في المدينة رجل اسمه ابو عامر الراهب، قد تنصر في الجاهلية وقرأ التوراة. وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف كبير بين قومه من الأوس والخزرج، فلما قدم الرسول الى المدينة دعاه الى الله وقرأ عليه القرآن، فأبى أبو عامر أن يسلم وتمرد، فدعا عليه الرسول أن يموت طريدا.. فنالته الدعوة ومات في بلاد الروم.
وقد تجمع حوله جماعة من المنافقين، ورأوا ان افضل وسيلة يكيدون فيها للإسلام ونبيه الكريم أن يبنوا مسجدا تحت شعار الدين، ثم يعملون للكفر بالله ورسوله، ولهدم الإسلام، والإضرار بالمسليمن وتفريق كلمتهم.
وقد بنوا المسجد وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى تبوك، وجاؤا فسألوه ان يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة الى غرضهم، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية. فقال لهم الرسول الكريم: إنا على سفر، ولكن اذا رجعنا إن شاء الله.
وقبل ان يصل المدينة في رجوعه من تبوك نزلت عليه هذه الآيات، فبعث بعض أصحابه وأمرهم أن يهدموا ذلك المسجد، ففعلوا.
أما أبو عامر الفاسق كما سماه الرسول فإنه لما رأى الاسلام في ظهور وارتفاع - هرب إلى هرقل ملك الروم يستنصره. فوعده هذا وأقام أبو عامر عنده، وكتب الى جماعة من اهل النفاق في قومه يعدهم بانه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله، وامرهم ان يتخذوا معقلا يقدم عليهم فيه، ويكون له مرصدا بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء كما تقدمت قصته، وهلك ابو عامر ولم يعد.
وابو عامر هذا من الأوس، لكنه ورد في تفسير ابن كثير انه من الخزرج.. وقديما كانوا يسمون الأوس والخزرج باسم " الخزرج ".
هذا هو مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله مكيدة للاسلام والمسلمين.
﴿ والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾.
من المنافقين جماعة بنوا مسجدا لا يبتغون به وجه الله، وأنما لإلحاق الضرر والتفريق بين جماعة المؤمنين. وسحلفون على انهم ما ارادوا ببناء هذا المسجد إلا الخير والعمل الأحسن، لكن الله يشهد عليهم أنهم كاذبون في أيمانهم.
﴿ لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾.
لا تصل أيها الرسول في هذا المسجد ابدا. إن المسجد الذي أقيم على التقوى ابتغاء لوجه الله، وطلبا لمرضاته، من اول يوم - هو أحق من غيره ان تصلي فيه وتؤدي شعائر الله وهو مسجد قباء.
﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴾.
ان في مسجد قباء رجالا يعمرونه بإقامة الصلاة، يحبون ان يطهروا اجسادهم وقلوبهم بأداء العبادة الصحيحة فيه، " والله يحب المطهرين " الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد، لأن فيهما الكمال الانساني.
﴿ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾.
لا يستوي في عقيدته ولا في عمله من أقام بنيانه على الإخلاص في تقوى الله وابتغاء مرضاته مع ذاك الذي أقام بنيانه على النفاق والكفر!! فإن عمل المؤمن الصالح مستقيم ثابت على أصل متين، فيما عمل المنافق كالبناء على حافة هاوية بدون أساس، فهو واه ساقط، يقع بصاحبه في نار جنهم، والله لايهدي الظالمين إلى طريق الرشاد.