أحدهما: أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة إخبارا.
والثاني: أن الكهانة عن مغيب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب موهوم. انتهى.
التنبيه الثاني: قال المارودي: في صرف الجن المذكور في قوله تعالى: ﴿ وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ﴾ [الأحقاف: 29] وجهان:
أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما هذا الحادث في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، حتى وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
أقول: وعليه فتكون (إلى) في ﴿ إليك ﴾ بمعنى لام التعليل. وذكر في (المغني) أنها تأتي مرادفة اللام، نحو:
والأمر إليك
[النمل: 33] وفيه تكلف وبعد، لنبوة عما يقتضيه سياق بقية الآية. ثم قال المارودي: وحكى عكرمة أن السورة التي كان يقرؤها:
اقرأ باسم ربك الذي خلق
[العلق: 1].
أقول: سيأتي مرفوعا عن جابر أنها سورة الرحمن.
ثم قال المارودي:
والوجه الثاني: أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق، هداية من الله تعالى، حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة، فنزل عليه جبريل بهذه الآية، وأخبره بوفود الجن، وأمره بالخروج إليهم، فخرج ومعه ابن مسعود، حتى جاء الحجون. قال ابن مسعود: فخط علي خطا وقال: " لا تجاوزه ".
فعلى الوجه الأول، لم يعلم بهم حتى أتوه. وعلى الوجه الثاني، أعلمه جبريل قبل إتيانهم. واختلف أهل العلم في رؤيته لهم، وقراءته عليهم. فحكى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما سمعوا قراءته حين مروا به مصليا. وحكى ابن مسعود أنه رآهم. وقرأ عليهم القرآن.
أقول: تقدم لابن كثير ما فيه كفاية.
ثم قال المارودي: وفي قوله: ﴿ فلما حضروه قالوا أنصتوا ﴾ [الأحقاف: 29] وجهان:
أحدهما: فلما حضروا قراءته القرآن، قالوا: أنصتوا لسماعه.
والوجه الثاني: فلما حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنصتوا لسماع قوله. انتهى.
قال ابن كثير: وهذا - أي قولهم أنصتوا - أدب منهم. وقد روى البيهقي عن جابر قال:
" قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: " مالي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا. ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد " "
ورواه الترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير.
الثالث: دل قوله تعالى: ﴿ يقومنآ أجيبوا داعي الله ﴾ [الأحقاف: 31] على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عام الرسالة إلى الإنس والجن.
قال ابن كثير: لأنه دعا الجن إلى الله تعالى، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن؛ ولهذا قال: ﴿ أجيبوا داعي الله وآمنوا به ﴾.
قال المارودي: لم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث إليهم رسولا من الإنس، واختلفوا في جواز بعثة رسول منهم، فجوزه قوم لقول الله تعالى:
يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم
[الأنعام: 130] ومنع آخرون منه. وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس، وحملوا قوله: ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ على الذين لما سمعوا القرآن، ولوا إلى قومهم منذرين. انتهى.
أقول: ونظيره تسمية رسل عيسى عليه السلام رسلا في آية
إذ أرسلنآ إليهم اثنين
[يس: 14].
الرابع - استدل بقوله: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ﴾ من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة إذ لو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا، لأوشك أن يذكروه.