تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46.5

﴿ ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ﴾ أي: دعاءه لعجزه عنها ﴿ إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ﴾ أي: لأنهم إما جمادات، وإما مسخرون مشغولون بأحوالهم. و(الغفلة) مجاز من عدم الفائدة فيها، أو هو تغليب لمن يتصور منه الغفلة على غيره.

لطيفة

قال الناصر: في قوله: ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ نكتة حسنة. وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها، لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية؛ لأنهم في القيامة أيضا لا يستجيبون لهم. فالوجه - والله أعلم - أنها من الغايات المشعرة بأن ما بعدها، وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كأن الحالتين، وإن كانتا نوعا واحدا لتفاوت ما بينهما، كالشيء وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة، لا تزيد على عدم الاستجابة. والحالة الثانية التي في القيامة، زادت على عدم الاستجابة بالعداوة، بالكفر بعبادتهم إياهم. فهو من وادي ما تقدم آنفا في سورة الزخرف في قوله:

بل متعت هؤلاء وآبآءهم حتى جآءهم الحق ورسول مبين * ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون

[الزخرف: 29-30] انتهى.

46.6

﴿ وإذا حشر الناس ﴾ أي: جمعوا يوم القيامة لموقف الحساب ﴿ كانوا ﴾ أي: آلهتهم ﴿ لهم أعدآء ﴾ أي: لتبرئهم منهم. قال الشهاب: أعداء استعارة، أو مجاز مرسل للضار. ﴿ وكانوا بعبادتهم كافرين ﴾ قال ابن جرير: أي: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا، بعبادتهم جاحدين؛ لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم، يا ربنا! أي: فالتكذيب بلسان المقال، قصدا إلى بيان أن معبودهم في الحقيقة الشياطين، وأهواؤهم.

وقال القاشاني: كانوا أعداء؛ لأن عبادة أهل الدنيا لسادتهم وخدمتهم إياهم، لا تكون إلا لغرض نفساني. وكذا استعباد الموالي لخدمهم، فإذا ارتفعت الأغراض، وزالت العلل والأسباب، كانوا لهم أعداء، وأنكروا عبادتهم، يقولون: ما خدمتمونا، ولكن خدمتم أنفسكم. كما قيل في تفسير قوله:

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو

[الزخرف: 67] انتهى.

وقيل: الضمير في ﴿ كانوا ﴾ في الموضعين، للعابدين، لئلا يلزم التفكيك. وفيه نظر؛ لأنه خلاف المتبادر من السياق، إذ هو لبيان حال الآلهة معهم، لا عكسه، ولأن كفرهم حينئذ إنكار لعبادتهم. وتسميته كفرا، خلاف الظاهر أيضا. وقد أوضح ذلك آية

واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا

[مريم: 81-82]. والقرآن يفسر بعضه بعضا.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٦١٢