تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي - هذا سياق البخاري - وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه. ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح. وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه. وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه - والله أعلم.

وهذا الرجل هو سواد بن قارب. قال البيهقي: وسواد بن قارب يشبه أن يكون هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم روى بسنده عن البراء قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال، فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال أيها الناس! أفيكم سواد بن قارب؟ قال، فقلت: يا أمير المؤمنين! وما سواد بن قارب؟ قال، فقال له عمر: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا! قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب. قال، فقال له عمر: يا سواد! حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟. قال سواد: فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رئي من الجن. قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم، واعتقل إن كنت تعقل! قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول:

عجبت للجن وتحساسها

وشدها العيس بأحلاسها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى

ما خير الجن كأنجاسها

فانهض إلى الصفوة من هاشم

واسم بعينيك إلى راسها

قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال: يا سواد بن قارب! إن الله عز وجل بعث نبيا، فانهض إليه تهتد وترشد. فلما كان من الليلة الثانية، أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول:

عجبت للجن وتطلابها

وشدها العيس بأقتابها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى

وليس قدماها كأذنابها

فانهض إلى الصفوة من هاشم

واسم بعينيك إلى قابها

فلما كان في الليلة الثالثة، أتاني فأنبهني، ثم قال:

عجبت للجن وتخبارها

وشدها العيس بأكوارها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى

ليس ذوو الشر كأخيارها

فانهض إلى الصفوة من هاشم

ما مؤمنو الجن ككفارها

قال: فلما سمعه تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. قال: فانطلقت إلى رحلي، فشددته على راحلتي، فما حللت نسعة، ولا عقدت أخرى، حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بالمدينة - يعني مكة - والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك ".

قال: قلت: يا رسول الله! قد قلت شعرا، فاسمعه مني! قال صلى الله عليه وسلم: " قل يا سواد " ، فقلت:

أتاني رئيي بعد ليل وهجعة

ولم يك فيما قد بلوت بكاذب

ثلاث ليال، قوله كل ليلة:

أتاك رسول من لؤي بن غالب

فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت

بي الدعلب الوجناء بين السباسب

فأشهد أن الله لا رب غيره

وأنك مأمون على كل غائب

وأنك أدنى المرسلين وسيلة

إلى الله، يا ابن الأكرمين الأطايب

فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل

وإن كان فيما جاء شيب الذوائب

وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة

سواك بمغن عن سواد بن قارب

قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال لي: " أفلحت يا سواد! " فقال له عمر رضي الله عنه: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. انتهى كلام ابن كثير.

وقد ساقه الإمام المارودي في (أعلام النبوة) مع نظائر له، في الباب السادس عشر، في هتوف الجن، ثم قال: ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد، عمن لا يرى شخصه، ولا يحج قوله، فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النفوس بشير، وقد قبلها السامعون. وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها. فإن قيل: إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان:

محاسن التأويل · الصفحة ٢٦٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٦٢٤