46.24-25
﴿ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ﴾ أي: فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، فرأوه عارضا في ناحية من نواحي السماء، متجها نحو مزارعهم ﴿ قالوا هذا عارض ﴾ أي: سحاب عارض ﴿ ممطرنا ﴾ أي: بغيث نحيا به ﴿ بل هو ﴾ أي: قال هود بل هو ﴿ ما استعجلتم به ﴾ أي: من العذاب ﴿ ريح ﴾ أي: هي ريح، أو بدل من (ما), ﴿ فيها عذاب أليم * تدمر ﴾ أي: تهلك ﴿ كل شيء ﴾ أي: من أموالهم وأنفسهم ﴿ بأمر ربها ﴾ أي: إذنه الذي لا يعارض، فلم تدفع عنهم آلهتهم، بل دمرتهم ﴿ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ﴾ أي: بيوتهم.
ثم أشار إلى أن هذا لا يقتصر على عاد، بل ينتظر لمن كان على شاكلتهم من أهل مكة وغيرها، بقوله: ﴿ كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾ أي: الكافرين إذا تمادوا في غيهم، وطغوا على ربهم.
46.26
﴿ ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه ﴾ أي: مكنا عادا، وآتيناهم من كثرة الأموال، وقوة الأجسام، فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا، على أن ﴿ إن ﴾ نافية، أوثرت على (ما) لئلا توجب شبه التكرير الثقيل. وقيل: ﴿ إن ﴾ شرطية محذوفة الجواب. والتقدير: ولقد مكناهم في الذي، أو في شيء، إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر. وقيل: هي صلة كما في قوله:
يرجي المرء ما إن لا يراه
ويعرض دون أدناه الخطوب
قال الزمخشري: والوجه هو الأول. ولقد جاء عليه في غير آية في القرآن
هم أحسن أثاثا ورءيا
[مريم: 74]،
كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا
[غافر: 82] وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار.
قال الناصر: واختص بهذه الطائفة قوله تعالى:
وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة
[فصلت: 15]، وقوله:
مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم
[الأنعام: 6] أي: والأصل توافق المعاني في الآي الواردة في نبأ واحد. على ما فيه أيضا من سلامة الحذف، والزيادة.
﴿ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ﴾ قال الطبري: أي: جعلنا لهم سمعا يسمعون به مواعظ ربهم، وأبصارا يبصرون بها حجج الله، وأفئدة يعقلون بها ما يضرهم وينفعهم، ﴿ فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ﴾ أي: لأنهم لم يستعملوها فيما خلقت له، بل في خلافه ﴿ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ أي: من العذاب.
قال الطبري: وهذا وعيد من الله عز وجل ثناؤه، لقريش. يقول لهم: فاحذروا أن يحل بكم من العذاب على كفركم بالله، وتكذيبكم رسله، ما حل بعاد، وبادروا بالتوبة قبل النقمة.
لطيفة
قال الشهاب: أفرد السمع في النظم، وجمع غيره، لاتحاد المدرك به، وهو الأصوات، وتعددت مدركات غيره، ولأنه في الأصل مصدر، وأيضا مسموعهم من الرسل متحد.