46.27
﴿ ولقد أهلكنا ما حولكم ﴾ أي: ما حول قريتكم يا أهل مكة ﴿ من القرى ﴾ أي: كجحر ثمود، وأرض سدوم ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمثلات، وخربنا ديارها، فجعلناها خاوية على عروشها ﴿ وصرفنا الآيات ﴾ أي: وعظناهم بأنواع العظات، وبينا لهم ضروبا من الحجج ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي: عن الكفر بالله ورسله. قال الطبري: وفي الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: فأبوا إلا الإقامة على كفرهم، والتمادي على غيهم، فأهلكناهم، فلم ينصرهم منا ناصر.
46.28
﴿ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ﴾ أي: فهلا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم، أوثانهم التي اتخذوا عبادتها قربانا يتقربون بها، فيما زعموا، إلى ربهم إذ جاءهم بأسنا، فتنقذهم من عذابنا، إن كانت تشفع لهم عند ربهم، كما قالوا:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله
[يونس: 18].
﴿ بل ضلوا عنهم ﴾ أي: غابوا عن نصرهم، وامتنع أن يستمدوا بهم، امتناع الاستمداد بالضال ففي ﴿ ضلوا ﴾ استعارة تبعية ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي: ضياع آلهتهم عنهم، وامتناع نصرهم إثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة. ﴿ وما كانوا يفترون ﴾ أي: وإثر افترائهم في أنها شفعاؤهم.
46.29-32
﴿ وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ﴾ أي: أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك ﴿ يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ﴾ أي: ليتم التدبر والتفكر ﴿ فلما قضي ﴾ أي: فرغ من قراءته، كمل تأثيرهم به، فأرادوا التأثير به، لذلك ﴿ ولوا ﴾ أي: رجعوا ﴿ إلى قومهم منذرين ﴾ أي: عما هم فيه من الضلال. ﴿ قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ﴾ أي: المتفق على تعظيم كتابه. أي: وقد علمنا صدقه لكونه ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ أي: من هذه الكتب كلها، وقد فضل عليها إذ ﴿ يهدي إلى الحق ﴾ أي: معرفة الحقائق ﴿ وإلى طريق مستقيم ﴾ أي: لا عوج فيه، وهو الإسلام.
قال ابن كثير: أي: يهدي إلى الحق في الاعتقاد والأخبار، وإلى طريق مستقيم في الأعمال. فإن القرآن مشتمل على شيئين: خبر وطلب. فخبره صدق، وطلبه عدل، كما قال تعالى:
وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا
[الأنعام: 115] وقال تعالى:
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق
[التوبة: 33] فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. وهكذا قالت الجن: يهدي إلى الحق في الاعتقادات، وإلى طريق مستقيم، أي في العمليات.
﴿ يقومنآ أجيبوا داعي الله ﴾ أي: رسول الله محمدا إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله، ﴿ وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ﴾ أي: بمعجز ربه، بهربه إذا أراد تعالى عقوبته؛ لأنه في قبضته وسلطانه، أنى اتجه. ﴿ وليس له من دونه أوليآء ﴾ أي: نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه. ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ أي: أخذ على غير استقامة.
تنبيهات
الأول: روى الإمام مسلم عن علقمة قال:
" سألت ابن مسعود رضي الله عنه: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل: استطير، اغتيل! قال: فبتنا بشر ليلة بات فيها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: " أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن " قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم ".
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا. فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا. وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبث جنوده، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض "