42.14
﴿ وما تفرقوا ﴾ أي: في دينهم وصاروا شيعا ﴿ إلا من بعد ما جآءهم العلم ﴾ أي: الدلائل الصحيحة والبراهين اليقينية على حقية ما لديهم ﴿ بغيا بينهم ﴾ أي: ظلما وتعديا وطلبا للرئاسة ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ﴾ وهو تأخير العذاب إلى يوم القيامة: ﴿ لقضي بينهم ﴾ أي: باستئصالهم، لاستيجاب جناياتهم لذلك ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ﴾ وهم أهل مكة الذين من الله عليهم بالكتاب العزيز ﴿ لفي شك منه مريب ﴾ أي: موقع لأتباعهم في الشك، لكثرة ما يبثونه من الوساوس الصادة عن سبيل الله.
42.15
﴿ فلذلك فادع ﴾ أي: فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب، فادع الناس كافة إلى إقامة الدين لمقاومة الباطل ودحره، وهتك وساوسه ﴿ واستقم ﴾ أي: على الدعوة إليه والصدع به ﴿ كمآ أمرت ﴾ أي: أوحي إليك ﴿ ولا تتبع أهوآءهم وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب ﴾ أي: أي كتاب كان، لا كالذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليف لقلوب أهل الكتابين، وتعريض بهم. أفاده أبو السعود.
﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي: لأسوي بينكم في دعوة واحدة كما قال تعالى:
قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا
[آل عمران: 64]. ثم أشار إلى أن ما وراء الأمر المذكور والتبليغ به من الحساب، فهو إليه تعالى. فقال: ﴿ الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ أي: لا خصومة ولا محاجة بعد هذا؛ لأن الحق قد ظهر، ولم يبق للمحاجة حاجة، ولا للمخالفة محل سوى المكابرة. والحجة في الأصل مصدر بمعنى الاحتجاج. كما ذكره الراغب. وتكون بمعنى الدليل. والمراد هو الأول دون الثاني. وهو ظاهر ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ أي: يوم القيامة، فيقضي بالحق فيما اختلفنا فيه ﴿ وإليه المصير ﴾ أي: المعاد والمرجع للجزاء.
تنبيهان
الأول: تفسير العدل بما ذكرناه؛ لأنه الذي يقتضيه سياق الكلام لا سيما والسورة مكية، ولم يكن مظهره صلوات الله عليه بها فصل الخصومات والقضاء في الحكومات. نعم من ذهب إلى ذلك فإنما وقف مع عمومها. ومنه قول قتادة: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعدل حتى مات. والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه.
الثاني: قال ابن كثير: اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات. كل منها منفصلة عن التي قبلها. حكم برأسها. قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي. فإنها أيضا عشرة فصول كهذه. انتهى.