42.8
﴿ ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة ﴾ أي: أهل دين واحد وملة واحدة ﴿ ولكن يدخل من يشآء في رحمته ﴾ أي: ولكن لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة، لمنافاة ذلك ما يقتضيه حكمة خلق الإنسان من تنوع أفراده المستلزم اختلاف أميالهم ومشاربهم؛ ولذا شاء ما اقتضاه خلقهم واستعدادهم. فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون. فأدخل من شاء في رحمته وهم المؤمنون، وفي عذابه، الكافرين. قال أبو السعود: ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين، تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله ﴿ والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ﴾ أي: والكافرون بالله مالهم من ولي يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله فينقذهم من عذابه، لأنه يدخلهم في قهره. وتوصيفهم بالظالمين، إشارة إلى عدل المؤمنين في باب الاعتقادات والأخلاق والأعمال والأفعال، وأنه تعالى يواليهم وينصرهم.
42.9-10
﴿ أم اتخذوا من دونه أوليآء ﴾ أي: يتولونهم، مع أنه لا ولاية لهم في الحقيقة، إذ لا قدرة ولا قوة ﴿ فالله هو الولي ﴾ أي: هو الذي يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد دون غيره، لتوليه سبحانه كل شيء، وسلطانه وحكمه. والفاء جواب شرط مقدر. كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا وليا بحق، فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه ﴿ وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ أي: هو المحي القادر، فكيف تستقيم ولاية غيره.
وقوله تعالى: ﴿ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ﴾ تمهيد لما يأتي بعد، من الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه، الذي هو وصية الله تعالى لأنبيائه، وشرعته لخلقه، وتنبيه على أن خلاف من خالف من المشركين والكافرين، إنما مرده إلى الله تعالى وحكمه وقضائه، أنه لا دين إلا دينه، ولا عبادة إلا عبادته، ولا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه, والقصد: الرد على مشركي مكة وأمثالهم، في تشريعهم ما لم يأذن به الله، وتحكيمهم إتباع الآباء وأفانين الأهواء. فإن السورة مكية، ومع ذلك، فتدل الآية على أن ما اختلف فيه المختلفون وتنازعوا في شيء من الخصومات، يجب أن يكون التحاكم فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يوثر على حكومته حكومة غيره. كقوله تعالى:
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول
[النساء: 59] وتدل أيضا على الرجوع إلى المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اختلفوا في تأويل آية واشتبه عليهم. وعلى تفويض ما لم تصل إلي دركه العقول، إلى الله تعالى، بأن يقال: الله أعلم. كما في قوله:
ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي
[الإسراء: 85].
وقوله: ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ بتقدير (قل) أو هو حكاية لقوله صلى الله عليه وسلم. أي: الذي هذه الصفات صفاته، ربي لا آلهتكم التي تدعون من دونه، التي لا تقدر على شيء ﴿ عليه توكلت ﴾ أي: في أموري كلها ﴿ وإليه أنيب ﴾ أي: أرجع في المعاد، أو من الذنوب، أو في الأمور المعضلة.