تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال الإمام رحمه الله: أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني لدى أحد الأساتذة الأميركانيين، فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى:

الذي أحسن كل شيء خلقه

[السجدة: 7] فقال الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة.

يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة، ويعرض بعشقه صلى الله عليه وسلم لزينب على ما زعموا، فقال له صاحبي: سبحان الله! إنكم تشتغلون بعلوم السماوات والأرض، ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم، مع أنكم، في المشهور عنكم، من أشد الناس ولعا بالبحث في الأديان. إن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنا له، ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الإنجيل ب (الابن) فليس هذا على الحقيقة، وإنما (الابن) الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة، إن في ذلك لذكرى للعالمين. والله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

الخامس: روى الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن أنس قال:

" لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: " اذهب فاذكرها علي ". فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها. فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب! أبشري. أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل. فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. ولقد رأيتنا، حين دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، أطمعنا عليها الخبز واللحم ".

قال الحافظ ابن حجر: وهذا أيضا من أبلغ ما وقع في ذلك: وهو أن يكون الذي كان زوجها هو الخاطب، لئلا يظن أحد أن ذلك وقع قهرا بغير رضاه. وفيه أيضا اختبار ما كان عنده منها. هل بقي منه شيء أم لا؟ وفيه استحباب فعل المرأة الاستخارة ودعائها عند الخطبة قبل الإجابة. وأن من وكل أمره إلى الله عز وجل، يسر الله له ما هو الأحظ له والأنفع دنيا وأخرى. انتهى. أي: فقد حفظ الله شرفها أن يضيع بعد زواجها بمولى. فاختار لها ما شرفها به وأسمى مكانتها، عناية منه ورحمة للأمة أيضا.

السادس: روى ابن جرير عن الشعبي قال:

" كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد: وإني أنكحنيك الله عز وجل من السماء. وإن السفير لجبريل عليه السلام ".

وروى البخاري بعضه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

" إن زينب كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات ".

قال ابن القيم في (زاد المعاد): ومن خصائص زينب أن الله سبحانه كان هو وليها الذي زوجها لرسوله من فوق سماواته. وتوفيت في أول خلافة عمر بن الخطاب. وكانت أولا عند زيد بن حارثة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه، فلما طلقها زوجه الله إياها، لتتأسى به أمته في نكاح أزواج من تبنوه. انتهى.

السابع: قالوا: لا ينقض عموم قوله تعالى: ﴿ من رجالكم ﴾ بكونه عليه الصلاة والسلام أبا للطاهر والقاسم وإبراهيم، لأنهم لم يبلغوا الحلم. ولو بلغوا لكانوا رجالا له، عليه الصلاة والسلام، لا لهم. انتهى.

وهذا من التعمق في البحث. وإلا فدلالة السياق أوضح من تخصيص الإضافة.

قال ابن كثير: لم يعيش له عليه الصلاة والسلام ولد ذكر، حتى بلغ الحلم. فإنه صلى الله عليه وسلم ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله عنها، فماتوا صغارا، وولد له صلى الله عليه وسلم إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا. وكان له صلى الله عليه وسلم من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، رضي الله عنهن أجمعين، فمات في حياته صلى الله عليه وسلم ثلاث. وتوفيت فاطمة بعده بستة أشهر. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٤٣