تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.24-25

﴿ ليجزي الله الصادقين ﴾ أي: في عهودهم ﴿ بصدقهم ويعذب المنافقين إن شآء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين كفروا بغيظهم ﴾ أي: كمال غضبهم بما أرسله من الريح والجنود، بفضله ورحمته ﴿ لم ينالوا خيرا ﴾ أي: نصرا ولا غنيمة ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ أي: فلم يحوجهم إلى مبارزتهم ليجلوهم عن المدينة. بل تولى كفاية ذلك وحده. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده "

﴿ وكان الله قويا ﴾ أي: فلا يعارض قوته قوة شيء ﴿ عزيزا ﴾ أي: غالبا على أمره.

ذكر تفصيل نبأ الأحزاب المسمى بغزوة الخندق

قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد): كانت غزوة الخندق في سنة خمس من الهجرة، في شوال على أصح القولين. إذ لا خلاف أن أحدا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل وهي سنة أربع. ثم أخلفوه لأجل جدب السنة، فرجعوا. فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه. هذا قول أهل السير والمغازي. وخالفهم موسى بن عقبة وقال: بل كانت سنة أربع. قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه. واحتج عليه بحديث ابن عمر في الصحيحين أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. قال: وصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة. وأجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن ابن عمر أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السن التي رآه فيها مطيقا. وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. والثاني: أنه لعله كان يوم أحد في أول الرابع عشرة. ويوم الخندق في آخر الخامس عشرة.

ثم قال ابن القيم رحمه الله: وكان سبب غزوة الخندق، أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل، خرج أشرافهم كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع وغيرهم إلى قريش بمكة. يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوالونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم. فأجابتهم قريش. ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم. ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك. فاستجاب لهم من استجاب. فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف. ووافاهم بنو سليم بمر الظهران.

وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة. وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن الحصن. وكان قد وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف. فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه استشار الصحابة فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون. وعمل بنفسه فيه وبادروا. وهجم الكفار عليهم. وكان في حفره آيات نبوته وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به. وكان حفر الخندق أمام سلع. وسلع جبل خلف ظهور المسلمين. والخندق بينهم وبين الكفار. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلف من المسلمين. فتحصن بالجبل من خلفه وبالخندق أمامهم.

وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة (وهذا غلط من خروجه يوم أحد).

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة. واستخلف عليها ابن أم مكتوم وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة. فدنا من حصنهم. فأبى كعب بن أسد أن يفتح له. فلم يزل يكلمه حتى فتح له. فلما دخل عليه قال: لقد جئتكم بعز الدهر. جئتك بقريش وغطفان وأسد على قادتها، لحرب محمد. قال: قال كعب: جئتني، والله! بذل الدهر وبجهام قد أراق ماءه. فهو رعد وبرق. فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودخل مع المشركين في محاربته، فسر بذلك المشركون. وشرط كعب على حيي أنه، إن لم يظفروا بمحمد، أن يجيء حتى يدخل معه في حصنه، فيصيبه ما أصابه. فأجابه إلى ذلك، ووفى له به. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بني قريظة ونقضهم للعهد. فبعث إليهم السعدين وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة ليعرفوه: هل هم على عهدهم أو قد نقضوه. فلما دنوا منهم فوجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسب والعداوة، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانصرفوا عنهم، ولحنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحنا يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد وغدروا. فعظم ذلك على المسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك:

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٢٥