33.31-33
﴿ ومن يقنت ﴾ أي: يدم مطيعا ﴿ منكن لله ورسوله ﴾ أي: في إتيان الواجبات وترك المحرمات والمكروهات ﴿ وتعمل صالحا نؤتهآ أجرها مرتين ﴾ أي: مرة على الطاعة والتقوى، وأخرى على طلبهن رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة ﴿ وأعتدنا لها ﴾ أي زيادة على أجرها المضاعف في الجنة، أو فيها وفي الدنيا ﴿ رزقا كريما ﴾ أي: حسنا مرضيا ﴿ ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ﴾ أي: عند مخاطبة الناس. أي: فلا تجبن بقولكن لينا خنثا، مثل كلام المريبات والمومسات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي: ريبة وفجور ﴿ وقلن قولا معروفا ﴾ أي: بعيدا من طمع المريب بجد وخشونة، من غير تخنيث. أو قولا حسنا مع كونه خشنا.
﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ أي: اسكن ولا تخرجن منها. من (وقر يقر وقارا) إذا سكن. أو من (قر يقر من باب ضرب) حذفت الأولى من رائي (اقررن) ونقلت كسرتها إلى القاف، فاستغنى عن همزة الوصل. ويؤيده قراءة نافع وعاصم بالفتح. من (قررت أقر) من باب علم. وهي لغة قليلة ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ أي: تبرج النساء أيام جاهلية الكفر الأولى. إذ لا دين يمنعهم ولا أدب يزعهم. والتبرج، فسر بالتبختر والتكسر في المشي. وبإظهار الزينة وما يستدعى به شهوة الرجل. وبلبس رقيق الثياب التي لا تواري جسدها. وبإبداء محاسن الجيد والقلائد والقرط. وكل ذلك مما يشمله النهي، لما فيه من المفسدة والتعرض لكبيرة. فائدة
قيل: ﴿ الأولى ﴾ بمعنى القديمة مطلقا من غير تقييد بزمن. فيستدل بذلك لمن قال: إن الأول لا يستلزم ثانيا.
قال في (الإكليل): وهو الأصح عند العلماء. فلو قال: أول ولد تلدينه فأنت طالق، لم يحتج إلى أن تلد ثانيا. انتهى.
وقال الزمخشري: ﴿ الأولى ﴾ هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء. من الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، أو ما قبله، إلى زمن عيسى. والجاهلية ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. ويعضده ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر، لما عير رجلا بأمه وكانت أعجمية:
" إنك امرؤ فيك جاهلية "
والمعنى نهيهن عن إحداث جاهلية في الإسلام، تشبه جاهلية الكفر قبله ﴿ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ﴾ أي: بموافقة أمرهما ونهيهما. ثم أشار إلى أن مخالفتهما رجس لا يناسب فضل أهل البيت بقوله: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ أي: ما أمركن ونهاكن، ووعظكن، إلا خيفة مقارفة المآثم والحرص على التصون عنها بالتقوى.
فالجملة تعليلية لأمرهن ونهيهن على سبيل الاستئناف.
قال الزمخشري: استعار للذنوب ﴿ الرجس ﴾ ، وللتقوى (الطهر). لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه. ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به. و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح. والمراد بهم من حواهم بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير: وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا. إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وأما قول عكرمة، إنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ومن شاء باهلته في ذلك، فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح. وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر. فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. وأنه صلى الله عليه وسلم جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين، ثم جللهم بكساء كان عليه. ثم قال: