تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو عليه السلام مع علو مقامه يغلبه الحياء فيتئد ويتمكث في تنفيذ حكم الله ولا يعجل، فكان يقول لزيد:

أمسك عليك زوجك واتق الله

[الأحزاب: 37] إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة، وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمزق حجاب تلك العادة، ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقا دون مخالفتها كما قال:

لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا

[الأحزاب: 37] وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ﴾ [الأحزاب: 40] الآية هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.

ثم قال: وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب، فرأى زينب، فوقع منها في قلبه شيء، فقال: سبحان مقلب القلوب! فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد، فوقع في قلبه أن يطلقها... الخ ما حكوه - فقد قال الإمام أبو بكر بن العربي :إنه لا يصح. وإن الناقلين له المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية، لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها. وأطال في ذلك، وأذكر من كلامه ما يؤيد ذكرنا في شأن هذه الروايات.

قال، بعد الكلام في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وطهارته من العيب في زمن الجاهلية:

وبعد أن جاء الإسلام: وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد. وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية

وإذ تقول للذي أنعم الله عليه

[الأحزب: 37] يعني بالإسلام

وأنعمت عليه

[الأحزب: 37] فأعتقته

أمسك عليك زوجك

[الأحزب: 37] إلى قوله:

وكان أمر الله مفعولا

[الأحزاب: 37] وأن رسول الله لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ﴾ [الأحزاب: 40] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا، يقال له: (زيد ابن محمد). فأنزل الله

ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله

[الأحزاب: 5] يعني أنه أعدل عند الله قال القاضي: وما وراء هذه الآية غير معتبر. فأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها، فوقعت في قلبه، فباطل. فإنه كان معها في كل وقت وموضع. ولم يكن حينئذ حجاب. فكيف تنشأ معه وينشأ معها، ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه، إلا إذا كان لها زوج؟ وقد وهبته نفسها وكرهت غيره. فلم تخطر بباله. فكيف يتجدد هوى لم يكن! حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة.

وقد قال سبحانه وتعالى:

ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم

[طه: 131] والنساء أفتن الزهرات، وأنشر الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات. فكيف في المنكوحات المحبوسات؟؟

ثم ساق الكلام في نفس الآية على حسب ما صح في الواقعة. ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروف. سبحان الله! كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات، وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم، ويتصدى لصناديد قريش طمعا في إسلامهم، حتى عاتبه على ذلك في قوله:

عبس وتولى

[عبس: 1]... إلى آخر الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لاشتغاله بما كان يعده في نفسه خيرا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرها إلى مال، ولا طموحا إلى لذة. فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب، لكان العتاب على تلك التسبيحة، بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق، كما أشار إليه في قصة داود عليه السلام. وما كان محمد صلى الله عليه وسلم في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة، لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها ولا أن تضعف عزيمته عن قمع شهوته وكبح جماحها. وما كان رب محمد يعلل شهوته، ويرفه من هواه فيما يخالف أمره، وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس من زهرة الحياة الدنيا، ومن زهرتها النساء. تسامى قدر محمد عن ذلك، وتعالى شأن ربه عن هذا علوا كبيرا. أما والله! لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية، ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يرمون إليه. فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل، ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر، والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه، بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم. وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه، وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنا له، كما تقدم بيانه. ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله، إلا حياء الكريم، وتؤدة الحكيم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة، لكن مع معاونة الزمان.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٤٢