33.40
﴿ ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ﴾ هذا دفع لتعيير من جهل، فقال: تزوج محمد زوج ابنه زيد. فدفعه تعالى بأنه إنما يتصور لو كان صلى الله عليه وسلم أبا لزيد على الحقيقة، لكنه ليس أبا لأحد من أصحابه، حتى يثبت بينه وبينه، ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، وزيد واحد منهم، الذين ليسوا بأولاده حقيقة. فكان حكمه حكمهم. والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لاغير ﴿ ولكن رسول الله ﴾ أي: ولكن كان رسول الله مبلغا رسالاته ﴿ وخاتم النبيين ﴾ بفتح التاء وكسرها، قراءتان. أي: فهذا نعته وهذه صفته. فليس هو في حكم الأب الحقيقي، وإنما ختمت النبوة به، لأنه شرع له من الشرائع ما ينطبق على مصالح الناس في كل زمان وكل مكان. لأن القرآن الكريم لم يدع أما من أمهات المصالح إلا جلاها، ولا مكرمة من أصول الفضائل إلا أحياها، فتمت الرسالات برسالته إلى الناس أجمعين، وظهر مصداق ذلك بخيبة كل من أدعى النبوة بعده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين ﴿ وكان الله بكل شيء عليما ﴾ أي: فلا يقضي إلا بما سبق به علمه، ونفذت فيه مشيئته، واقتضته حكمته.
تنبيهان في لطائف هذه القصة، وفوائدها الباهرات
الأول: لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزوجه زينب بنت جحش. ورواه البخاري عن أنس في التفسير. ورواه عنه في التوحيد قال: جاء زيدا بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" اتق الله وأمسك عليك زوجك "
وأخرجه أحمد بلفظ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد بن حارثة. فجاءه زيد يشكوها إليه. فقال له:
" أمسك زوجك واتق الله "
فنزلت.
وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي. فساقها سياقا حسنا واضحا ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد، أنها من أزواجه. فكان يستحيي أن يأمره بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله. وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه. وكان قد تبنى زيدا.
وعنده، ومن طريق علي بن زيد بن جدعان عن علي بن الحسين بن علي، قال:
" أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم؛ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها. فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله تعالى: قد أخبرتك أنى مزوجكها "
وتخفي في نفسك ما الله مبديه.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) بعد نقل ما تقدم: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا أثارا، أحببنا أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها، فلا نوردها. انتهى.
الثاني: قال القاضي عياض رحمه الله في (الشفا) في بحث أقواله صلى الله عليه وسلم الدنيوية: ولا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أحدا بشيء أو ينهى أحدا عن شيء، وهو يبطن خلافه وقد قال عليه السلام:
" ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، فكيف أن تكون له خائنة قلب؟ "
فإن قلت: فما معنى قوله في قصة زيد
وإذ تقول للذي أنعم الله
[الأحزاب: 37]... الآية. فاعلم أكرمك الله ولا تسترب في تنزيه النبي عليه السلام عن هذا الظاهر، وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها، ذكر عن جماعة من المفسرين. وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين. أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه. فلما شكاها إليه زيد، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: