33.44-46
﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ أي: يحيون يوم لقائه، بالموت أو الخروج من القبر أو دخول الجنة بسلام، تبشيرا بالسلامة من كل مكروه وآفة، والإضافة إما من إضافة المصدر إلى المفعول، والمحيي لهم، إما الله جل جلاله، لقوله:
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58] تعظيما لهم وتفضلا منه عليهم، كما تفضل عليهم بصنوف الإكرام، وإما الملائكة لآية
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار
[الرعد: 23-24] أو من إضافة المصدر لفاعله. أي تحية بعضهم بعضا بالسلام. وقد يستدل له بآية
دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام
[يونس: 10] ﴿ وأعد لهم أجرا كريما ﴾ يعني: الجنة وما حوته، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿ يأيها النبي إنآ أرسلنك شهدا ﴾ أي: على من بعثت إليهم بالبلاغ ﴿ ومبشرا ﴾ أي: بالثواب لمن آمن ﴿ ونذيرا ﴾ أي: من النار لمن كفر ﴿ وداعيا إلى الله ﴾ إلى دينه وطاعته والإقرار بوحدانيته ﴿ بإذنه ﴾ أي: بأمره ووحيه ﴿ وسراجا منيرا ﴾ أي: يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدي بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية.
33.47-49
﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ﴾ أي: ثوابا عظيما وأجرا جزيلا ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين ﴾ أي: فيما يرجفون به ويعيبون من جاهليتهم وعوائدهم، بإلانة الجانب في التبليغ، والمسامحة في الإنذار والتمهل في الصدع بالحق ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي: إيصال الضرر إليهم، مجازاة لفعلهم. بل اعف واصفح. أو معناه: دع ما يؤذونك به بسبب صدعك إياهم. فالمصدر مضاف إلى الفاعل على الأول، وإلى المفعول على الثاني ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ أي: موكولا إليه، وكفيلا فيما وعدك من النصر، ودحر ذوي الكفر.
﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ﴾ أي: تزوجتموهن ﴿ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ أي: تجامعوهن ﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ أي: تستوفون عددها من إحصاء أقراء، ولا أشهر تحصونها عليهن ﴿ فمتعوهن ﴾ أي: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين مال ﴿ وسرحوهن ﴾ أي: خلوا سبيلهن بإخراجهن من منازلكم. إذ ليس لكم عليهن عدة ﴿ سراحا جميلا ﴾ أي: من غير ضرار ولا منع حق.
تنبيه
قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة. منها إطلاق النكاح على العقد وحده. وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منه، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال. واستعمال القرآن، إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية. فإنه استعمل في العقد وحده لقوله تعالى: ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. وقوله تعالى: ﴿ المؤمنات ﴾ خرج مخرج الغالب. إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك، بالاتفاق. وقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما. وابن المسيب والحسن البصري وزين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية، على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لقوله تعالى: ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ﴾ بعقب النكاح بالطلاق. فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي وأحمد وطائفة كثيرة من السلف والخلف. وأيده ما روي مرفوعا:
" لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك "
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجه عن علي والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا طلاق قبل النكاح ".
وقوله تعالى: ﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ هذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها، لا عدة عليها. فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت. ولا يتسثنى من هذا إلا المتوفى زوجها.