" أمسك عليك زوجك، واتق الله "
وأخفى منه في نفسه ما أعلمه الله به أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وطلاق زيد لها.
وروى نحوه عمرو بن فائد عن الزهري قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش. فذلك الذي أخفى في نفسه، ويصحح هذا قول المفسرين في قوله بعد هذا
وكان أمر الله مفعولا
[الأحزاب: 37] أي: لا بد لك أن تتزوجها. ويوضح هذا أن الله تعالى لم يبد من أمره معها غير زواجه لها. فدل أنه الذي أخفاه عليه السلام، مما كان أعلمه به تعالى، وقوله تعالى في القصة:
ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له
[الأحزاب: 38] دل على أنه لم يكن عليه حرج في الأمر. ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحرج. وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته. ولم يزل يراها منذ ولدت. ولا كان النساء يحتجبن منه عليه السلام، وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله طلاق زيد لها وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها، لإزالة حرمة التبني وإبطال سببه.
كما قال: ﴿ ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ﴾ [الأحزاب: 40] وقال:
لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم
[الأحزاب: 37] قال ابن فورك: وليس معنى الخشية هنا الخوف. وإنما معناه الاستحياء. أي: يستحي منهم أن يقولوا تزوج زوجة ابنه. وأن خشيته عليه السلام من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود، وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، كما كان. فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له، كما عتبه على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1] الآية. كذلك قوله ههنا. انتهى ملخصا.
الثالث - قال الإمام ابن حزم في (الفصل) يرد على من استدل بمثل هذه الآية على جواز وقوع الصغائر من الأنبياء، ما مثاله: وأما قوله تعالى:
وتخفي في نفسك ما الله مبديه
[الأحزاب: 37] الآية فقد أنفنا من ذلك. إذ لم يكن فيه معصية أصلا ولا خلاف فيما أمره الله تعالى به وأن ما كان أراده زواج. مباح له فعله ومباح له تركه ومباح له طيه ومباح له إظهاره. وإنما خشي النبي صلى الله عليه وسلم الناس في ذلك خوف أن يقولوا قولا ويظنوا ظنا، فيهلكوا. كما قال عليه السلام للأنصاريين: إنها صفية. فاستعظما ذلك، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما يخشى أن يلقي الشيطان في قلوبهما شيئا. وهذا الذي خشيه عليه السلام على الناس من هلاك أديانهم، بظن يظنونه به عليه السلام، هو الذي يحققه هؤلاء المخذولون المخالفون لنا في هذا الباب. وكان مراد الله عز وجل أن يبدي ما في نفسه، لما كان سلف علمه من السعادة لأمنا زينب رضي الله عنها، انتهى.
الرابع: للإمام مفتي مصر رحمه الله مقالة على هذه الآية: رأيت نقلها هنا تعزيزا لما سلف، وإيقافا من أسرار الآية على نخب ما وصف.
قال رحمه الله: نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش. وهي بنت عمته صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب. وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة. فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية
وما كان لمؤمن
..[الأحزاب: 36] الخ، فلما نزلت الآية قالا: رضينا يا رسول الله. فأنكحها إياه. وساق عنه إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. كذا يروى.
فنحن من جهة، نرى أن زينب كانت بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ربيت تحت نظره وشملها من عنايته ما يشمل البنت مع والدها لأول الأمر.
حتى أنه اختارها لمولاه زوجة. مع إبائها وإباء أخيها. وعد إباءها هذا عصيانا. ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن. فكأنه أرغمها على زواجه، لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك. ولو كان للجمال سلطان على قلبه صلى الله عليه وسلم، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه، ونضرة جدته، وقد كان يراها ولم يكن بينه وبينها حجاب. ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة. ولكنه لم يرغبها لنفسه، ورغبها لمولاه, فكيف يمتد نظره إليها، ويصيب قلبه سهم حبها، بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟ لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر، أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب، إلى أن تبلغ حد العشق، خصوصا إذا كان عشيره منذ صغره. بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض. متى تعود بعضهم النظر إلى بعض، من بداية السن إلى أن يبلغ حدا منه يجول فيه نظر الشهوة. فكيف يظن أو يتوهم أن النبي الذي يقول الله له