تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب الرجس، لكن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك يدل على وقوعه. فإن دعاءه مستجاب. قيل: المقصود أن القرآن لا يدل على ما ادعاه بثبوت الطهارة وإذهاب الرجس، فضلا عن أن يدل على العصمة والإمامة. وأما الاستدلال بالحديث فذاك مقام آخر. ثم نقول في المقام الثاني: هب أن القرآن دل على طهارتهم وعلى ذهاب رجسهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بد أن يستحق معه طهارة المدعو لهم وإذهاب الرجس عنهم. لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ. والدليل عليه أن الله لم يرد بما أمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يصدر من واحدة منهن خطأ. فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن. وسياق الآية يقتضي أنه يريد ليذهب عنهم الرجس الذي هو الخبث. كالفواحش ويطهرهم تطهيرا من الفواحش وغيرها من الذنوب. والتطهير من الذنب على وجهين، كما في قوله:

وثيابك فطهر

[المدثر: 4] وقوله:

إنهم أناس يتطهرون

[الأعراف: 82] فإنه قال فيها:

من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين

[الأحزاب: 30] والتطهر من الذنوب إما بأن لايفعله العبد، وإما بأن يتوب منه كما في قوله:

خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها

[التوبة: 103] ما أمر الله به من الطهارة ابتداء وإرادة. فإنه يتضمن نهيه عن الفاحشة، لا يتضمن الإذن فيها بحال. لكن هو سبحانه ينهى عنها، ويأمر من فعلها بأن يتوب منها. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:

" اللهم! باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب. واغسلني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم! نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس "

وبالجملة، لفظ (الرجس) أصله القذر. ويراد به الشرك. كقوله:

فاجتنبوا الرجس من الأوثان

[الحج: 30] ويراد به الخبائث المحرمة، كالمطعومات والمشروبات كقوله:

قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا

[الأنعام: 145] وقوله:

إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان

[المائدة: 90] وإذهاب ذلك إذهاب لكله. ونحن نعلم أن الله أذهب عن أولئك السادة الشرك والخبائث.

ولفظ ﴿ الرجس ﴾ عام يقتضي أن الله يذهب جميع الرجس. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بذلك. وأما قوله: (وطهرهم تطهيرا) فهو سؤال مطلق بما يسمى طهارة. وبعض الناس يزعم أن هذا مطلق فيكتفي فيه بفرد من أفراد الطهارة. ويقول مثل ذلك في قوله:

فاعتبروا يأولي الأبصار

[الحشر: 2] ونحو ذلك. والتحقيق أنه أمر بمسمى الاعتبار الذي يقال عند الإطلاق. كما إذا قيل: أكرم هذا، أي: افعل معه ما يسمى عند الإطلاق إكراما. وكذلك ما يسمى عند الإطلاق اعتبارا. والإنسان لا يسمى معتبرا إذا اعتبر في قصة، وترك ذلك في نظيرها. وكذلك لا يقال: (هو طاهر) أو (متطهر) أو (مطهر) إذا كان متطهرا من شيء، متنجسا بنظيره. ولفظ (الطاهر) كلفظ (الطيب) قال تعالى:

والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات

[النور: 26] كما قال:

الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات

[النور: 26] وقد روي أنه قال لعمار:

" ائذنوا له. مرحبا بالطيب المطيب "

وهذا أيضا كلفظ (المتقي) و(المزكي) قال تعالى:

قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها

[الشمس: 9-10]، وقال:

خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها

[التوبة: 103]، وقال:

قد أفلح من تزكى

[الأعلى: 14]، وقال:

ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء

[النور: 21] وليس من شرط المتقين ونحوهم أن لا يقع منهم ذنب، ولا أن يكونوا معصومين من الخطأ والذنوب. فإن هذا، لو كان كذلك، لم يكن في الأمة متق، بل من تاب من ذنوبه دخل في المتقين. كما قال:

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٣٣