تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأنعام: 125]

ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم

[هود: 34] وكثير من المثبتة والقدرية يجعل الإرادة نوعا واحدا، كما يجعلون الإرادة والمحبة شيئا واحدا.

ثم القدرية ينفون إرادته لما بين أنه مراد في الآيات التشريع. فإنه عندهم كل ما قيل إنه مراد. فلا يلزم أن يكون كائنا، والله قد أخبر أنه يريد أن يتوب على المؤمنين وأن يطهرهم.

وفيهم من تاب وفيهم من لم يتب. وفيهم من تطهر وفيهم من لم يتطهر. وإذا كانت الآية دالة على وقوع ما أراده من التطهير وإذهاب الرجس، لم يلزم بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه.

ومما يبين ذلك، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مذكورات في الآية. والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه ووعد الثواب على فعله والعقاب على تركه. قال تعالى:

ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا

[الأحزاب: 30] إلى قوله: ﴿ وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ [الأحزاب: 33] فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد. لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره ليس مختصا بأزواجه. بل هو متناول لأهل البيت كلهم. وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك. ولذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم. وهذا كما أن قوله:

لمسجد أسس على التقوى من أول يوم

[التوبة: 108] نزلت بسبب (مسجد قباء) لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو (مسجد المدينة) وهذا يوجه ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال:

" هو مسجدي هذا "

وثبت عنه في الصحيح أنه كان يأتي قباء كل سبت ماشيا وراكبا. فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي قباء يوم السبت. وكلاهما مؤسس على التقوى.

وهكذا أزواجه، وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أخص بذلك من أزواجه. ولهذا خصهم بالدعاء. وقد تنازع الناس في آل محمد من هم؟ فقيل: أمته. وهذا قول طائفة من أصحاب محمد ومالك وغيرهم. وقيل: المتقون من أمته. ورووا حديثا: (آل محمد كل مؤمن تقي) رواه الخلال، وتمام في (الفوائد) له. وقد احتج به طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. وهو حديث موضوع. وبنى على ذلك طائفة من الصوفية. أن آل محمد هم خواص الأولياء. كما ذكر الحكيم الترمذي.

والصحيح أن آل محمد هم أهل بيته. وهذا هو المنقول عن الشافعي وأحمد. وهو اختيار الشريف أبي جعفر وغيرهم.

لكن هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. أحدهما: أنهن لسن من أهل البيت. ويروى هذا عن زيد بن أرقم. والثاني: وهو الصحيح أن أزواجه من آله. فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علمهم الصلاة عليه:

" اللهم صل على محمد وأزوجه وذريته "

ولأن امرأة إبراهيم من آله وأهل بيته.

وامرأة لوط من آله وأهل بيته. بدلالة القرآن. فكيف لا يكون أزواج محمد من آله وأهل بيته؟ ولأن هذه الآية تدل على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى. وأما الأتقياء من أمته فهم أولياؤه. كما ثبت في الصحيح أنه قال:

" إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما ولي الله وصالح المؤمنين "

فبين أن أولياءه صالح المؤمنين. وكذلك في حديث آخر:

" إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا "

وقد قال تعالى:

وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين

[التحريم: 4] وفي الصحاح عنه أنه قال:

" وددت أني رأيت إخواني " قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: " بل أنتم أصحابي، وإخوتي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني "

وإذا كان كذلك، فأولياؤه المتقون، بينه وبينهم قرابة الدين والإيمان والتقوى. وهذه القرابة الدينية أعظم من القرابة الطبيعية. والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان. ولهذا كان أفضل الخلق أولياؤه المتقون. وأما أقاربه ففيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر. فإن كان فاضل منهم، كعلي رضي الله عنه وجعفر والحسن والحسين، ففضلهم بما فيهم من الإيمان والتقوى. وهم أولياؤه بهذا الاعتبار لا بمجرد النسب. فأولياؤه أعظم درجة من آله، وإن صلى على آله تبعا، لم يقتض ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه. الذين لم يصل عليهم. فإن الأنبياء والمرسلين هم من أوليائه. وهم أفضل من أهل بيته. وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبعا، فالمفضول قد يختص بأمر ولا يلزم أن يكون أفضل من الفاضل. ودليل ذلك أن أزواجه هم ممن يصلي عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين. وقد ثبت باتفاق الناس كلهم أن الأنبياء أفضل منهن كلهن.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٣٢