تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مؤيدا منصورا والمسلمون معه، ووضعوا السلاح، وكانت الظهر، أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يأمرك بالمسير إلى بني قريظة - وهم قبيلة من يهود خيبر - فإني عامد إليهم فمزلزل بهم: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس:

" من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة "

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، برايته إلى بني قريظة. وابتدرها الناس. فسار علي، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق. فقال: يا رسول الله! لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال:

" لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى "

قال: نعم. يا رسول الله! قال:

" لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا "

وتلاحق به الناس، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله! صلى الله عليك وسلم. إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل بني قريظة، قد حاصر بني قينقاع وهم شعب من اليهود كانوا بالمدينة، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي ابن سلول فوهبهم له.

فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ألا ترضون، يا معشر الأوس! أن يحكم فيهم رجل منكم؟ "

قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" فذاك إلى سعد بن معاذ ".

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق:

" اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب "

فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه على حمار.

وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال صلى الله عليه وسلم:

" قوموا إلى سيدكم "

فقاموا إليه فأنزلوه.

قال ابن كثير: إعظاما وإكراما، واحتراما له، في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم.

فلما جلس، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك. فاحكم فيهم بما شئت "

وصارت تعرض له الأوس أن يحسن إليهم، وتقول: يا أبا عمرو! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم.

فقال رضي الله عنه: عليكم عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت. قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا (في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" نعم "

قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد:

" لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة "

وفي رواية:

" لقد حكمت بحكم الملك "

(أي: لأن هذا جزاء الخائن الغادر) وكان سعد أصيب يوم الخندق. رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة. رماه في الأكحل.

فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله. وقال سعد: اللهم! إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني لها: فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد، من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم! وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعل لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم، طلبا من تلقاء أنفسهم.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٣٢٧