" الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين "
واشتد البلاء وتجهر النفاق. واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة وقالوا: بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا. وهم بنو سلمة بالفشل. ثم ثبت الله الطائفتين. وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا. ولم يكن بينهم قتال. لأجل ما حال الله به من الخندق. بينهم وبين المسلمين. إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود وجماعة معه، أقبلوا نحو الخندق.
فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموه. وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع. ودعوا إلى البراز. فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فبارزه فقتله الله على يديه. وكان من شجعان المشركين وأبطالهم. وانهزم الباقون إلى أصحابهم. وكان شعار المسلمين يومئذ (حم لا ينصرون) ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف، رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما. وجرت المراوضة على ذلك. فاستشار السعدين في ذلك فقالا: يا رسول الله! إن كان الله أمرك بهذا، فسمعا وطاعة. وإن كان شيء تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه. لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ والله! لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رأيهما وقال:
" إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ".
ثم إن الله عز وجل، وله الحمد، صنع أمرا من عنده. خذل به بين العدو وهزم جموعهم، وفل حدهم. فكان مما هيأ من ذلك، أن رجلا من غطفان يقال له نعيم بن مسعود بن عامر، رضي الله عنه، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت. فمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إنما أنت رجل واحد. فخذل عنا ما استطعت. فإن الحرب خدعة "
فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة، وكان عشيرا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال: يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمدا. وإن قريشا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمدا، فانتقم منكم. قالوا: فما العمل؟ يا نعيم! قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم مضى على وجهه إلى قريش. قال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم. قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه. وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم. فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم. ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك. فلما كان ليلة السبت من شوال، بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف. فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه. ومع هذا، فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن.
فلما جاءتهم رسلهم بذلك، قالت قريش صدقكم، والله! نعيم. فبعثوا إلى يهود: إنا، والله! لا نرسل إليكم أحدا. فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدا. فقالت قريظة: صدقكم، والله! نعيم. فتخاذل الفريقان: وأرسل الله عز وجل على المشركين جندا من الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها، ولا طنبا إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار. وجند الله من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف. وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال وقد تهيؤوا للرحيل. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم برحيل القوم. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله عدوه بغيظه، لم ينالوا خيرا وكفى الله قتالهم. فصدق وعده. وأعز جنده ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده.