قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
[الكهف: 103-104]، وهم الذين عنى بقوله
وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا
[الفرقان: 23] وهم الذين عنى بقوله تعالى:
كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار
[البقرة: 167].
والقسم الثاني من هذا الصنف، أصحاب الظلمات. وهم المنغمسون في الجهل. بحيث قد أحاط بهم من كل وجه، فهم بمنزلة الأنعام بل هم أضل سبيلا. فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور من الله تعالى ﴿ كظلمات ﴾ جمع ظلمة وهي ظلمة الجهل وظلمة الكفر وظلمة الظلم واتباع الهوى وظلمة الشك والريب وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والنور الذي أنزله معهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور. فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، يتقلب في خمس ظلمات: قوله: ظلمة. وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى ظلمة. وقلبه مظلم ووجهه مظلم وكلامه مظلم. وحاله مظلم. وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من النور، جد في الهرب منه، وكاد نوره يخطف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى كما قيل:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه
ووافقها قطع من الليل مظلم
وقوله تعالى: ﴿ في بحر لجي ﴾ اللجي العميق. منسوب إلى لجة البحر وهو معظمه. وقوله تعالى: ﴿ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ﴾ تصوير لحال المعرض عن وحيه. فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره، بتلاطم أمواج ذلك البحر، وأنهم أمواج بعضها فوق بعض. والضمير الأول في قوله: ﴿ يغشاه ﴾ راجع إلى البحر، والضمير الثاني في قوله ﴿ من فوقه ﴾ عائد إلى الموج. ثم إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب. فها هنا ظلمات: ظلمة البحر اللجي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله ﴿ إذآ أخرج ﴾ من في هذا البحر ﴿ يده لم يكد يراها ﴾ واختلف في معنى ذلك. فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة رؤيتها. وهو أبلغ من نفيه الرؤية. وإنه قد ينفي وقوع الشيء ولا تنفي مقاربته. فكأنه قال لم يقارب رؤيتها بوجه.
قال هؤلاء: (كاد) من أفعال المقاربة. لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات. فإذا قيل: كاد يفعل، فهو إثبات مقاربة الفعل. وإذا قيل. لم يكد يفعل، فهو نفي لمقاربة الفعل.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد. وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العسر، لأجل تلك الظلمات: قالوا: لأن (كاد) لها شأن ليس لغيرها من الأفعال. فإنها إذا أثبتت نفت. وإذا نفت أثبتت. فإذا قلت: (ما كدت أصل إليك): فمعناه: وصلت إليك بعد الجهد والشدة. فهذا إثبات للوصول. وإذا قلت: (كاد زيد يقوم) فهي نفي لقيامه. كما قال تعالى:
وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا
[الجن: 19] ومنه قوله تعالى:
وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم
[القلم: 51] في ذلك أنشد بعضهم في ذلك لغزا:
أنحوي هذا العصر! ما هي لفظة
جرت في لساني جرهم وثمود؟
إذا استعملت في صورة النفي أثبتت
وإن أثبتت قامت مقام جحود
وقالت فرقة ثالثة، منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره: إن استعمالها مثبتة، يقتضي نفي خبرها. كقولك كاد زيد يقوم واستعمالها منفية يقتضي نفيه بطريق الأولى، فهي عنده تنفي الخبر. سواء كانت منفية أو مثبتة. (فلم يكد زيد يقوم) أبلغ عند في النفي من (لم يقم) واحتج بأنها إذا نفيت - وهي من أفعال المقاربة - فقد نفيت مقاربة الفعل. وهو أبلغ من نفيه. وإذا استعملت مثبتة فهي تقتضي مقاربة اسمها لخبرها. وذلك يدل على عدم وقوعه. واعتذر عن مثل قوله تعالى: