الله نور السموت والأرض
[النور: 35] أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن، الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه. وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب. كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان. فما شئت من بدعة وضلالة، واتباع هوى واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة. فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب. فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حناديس الظلام.
السادس: أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب. وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال - لم تخطئ له فراسة. وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة، والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله. ومن ترك شيئا لله عوضه خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله، عوضه بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه بصره لله. ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة، والفراسة الصادقة المصيبة، التي إنما تنال ببصيرة القلب. وضد هذا مما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى:
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون
[الحجر: 72] فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه هو فساد البصيرة. فالتعلق بالصور يوجب إفساد العقل، وعمه البصيرة يسكر القلب، كما قال القائل:
سكران: سكر هوى وسكر مدامة
ومتى إفاقة من به سكران؟
وقال الآخر:
قالوا: جننت بمن تهوى، فقلت لهم:
العشق أعظم مما بالمجانين
لعشق لا يستفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
السابع: أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة. ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة. كما في الأثر: (الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله). وضد هذا تجده في المتبع هواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها. وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه. كما قال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن المعصية لا تفارق رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8]، وقال تعالى:
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 139] والإيمان قول وعمل ظاهر وباطن، وقال تعالى:
من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر: 10] أي: من كان يريد العزة فليطبها بطاعة الله وذكره، من الكلم الطيب، والعمل الصالح. وفي دعاء القنوت: " إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت " ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه. وله من العز بحسب طاعته. ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه. وله من الذل بحسب معصيته.
الثامن: أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب. فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب، أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي. فيمثل له صورة المنظور إليه، يزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب. ثم يعده ويمنيه. ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي. التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة. فيصير القلب في اللهب. فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار. وتلك الزفرات والحرقات. فإن القلب قد أحاطت به نيران بكل جانب. فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور. ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة، أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار، وأودعت أرواحهم فيه، إلى حشر أجسادهم، كما أراها الله نبيه صلى الله عليه وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته.
التاسع: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها. وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها. فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن أمر ربه، قال تعالى: