تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[المائدة: 71]، وقال تعالى في حق المؤمنين

والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا

[الفرقان: 73]، وقال في حق الكفار:

فما لهم عن التذكرة معرضين

[المدثر: 49] والآيات في هذا كثيرة جدا. وكذلك النظر إلى زينة الدنيا فتنة. قال تعالى:

ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه

[النور: 131] وفي آخر الحجر [الآية: 88]. وقوله:

فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم...

[التوبة: 55]، وقال:

قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم...

[النور: 30] الآية، وقال:

ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا...

[الكهف: 28] الآية، وقال:

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت...

[الغاشية: 17] الآيات، وقال:

قل انظروا ماذا في السموت والأرض...

[يونس: 101] الآية، وقال:

أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والأرض...

[سبأ: 9] الآية، وكذلك قال الشيطان

إني أرى ما لا ترون

[الأنفال: 48] وقال:

فلما تراءى الجمعان...

[الشعراء: 61] الآيات. وقال:

إذ يريكهم الله في منامك قليلا

[الأنفال: 43] الآيات.

فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها، منهي عنه. والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه الاعتبار مأمور به. وأما رؤية ذلك عند الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لدفع شر أولئك، فمأمور به. وكذلك رؤية الاعتبار شرعا في الجملة. فالعين الواحدة ينظر إليها تارة نظرا مأمورا به. إما للاعتبار وإما لبغض ذلك. والنظر إليه لبغض الجهاد منهي عنه وكذلك المولاة والمعاداة. وقد يحصل للعبد فتنة بنظر منهي عنه، وهو يظن أنه نظرة عبرة. وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر فتنة، كالذين قال الله فيهم:

ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني

[التوبة: 49] فإنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتجهز لغزو الروم فقال: إني مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم. فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول. وأما ما يكون من الفعل بالجوارح، فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، داخل في هذا. بل يكون عذابه أشد. فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد المحبة. وهذه قد لا يقترن بها قول ولا فعل. فكيف إذا اقترن؟ بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله تعالى من فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا. ومن رضى عمل قوم حشر معهم. كما حشرت امرأة لوط معهم. ولم تكن تفعل فاحشة اللواط. فإنه لا يقع من المرأة. ولكن لما رضيت فعلهم، عمها معهم العذاب.

فمن هذا الباب قيل: من أعان على الفاحشة وإشاعتها، مثل القواد. لما يحصل له من رياسة أو سؤدد أو سحت يأكله. وكذلك أهل الصناعات التي تنفق، مثل المغنين وشربة الخمر وضمان الجهات السلطانية وغيرها، فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. فإنها إذا شاعت تمكنوا من أغراضهم من الرياسة والمال وفعل الفاحشة، وتمكنوا من دفع من ينكرها، بخلاف ما إذا كانت قليلة.

ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعوا إلى معصية الله وينهى عن طاعته، منهي عنه محرم. كما قال تعالى:

إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر

[العنكبوت: 45] أي: ما فيها من ذكر الله وطاعته وامتثال أمره أكبر من ذلك. وقال في الخمر والميسر

ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة

[المائدة: 91] أي: يوقعهم ذلك في معصيته التي هي العداوة والبغضاء، وهذا من أعظم المنكرات التي تنهى عنه الصلاة، والخمر تدعو إلى الفحشاء والمنكر، كما هو الواقع.

فإن شارب الخمر تدعوه نفسه إلى الجماع حلالا كان أو حراما. فإن الله سبحانه لم يذكر الجماع، لأن الخمر لا يدعو إلى الحرام بعينه من الجماع. والسكر يزيل العقل الذي يميز به بين الحلال والحرام، والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة الحرام. ولهذا يكثر شارب الخمر من مواقعة الفواحش، ما لا يكثر من غيرها. حتى ريما يقع على ابنته وابنه ومحارمه. وقد يستغني بالحلال إذا أمكنه. ويدعو شرب الخمر إلى أكل أموال الناس بالسرقة والمحاربة وغير ذلك لأنه يحتاج إلى الخمر وما يستتبعه من مأكول وغير ذلك من فواحش وغناء. وشرب الخمر يظهر أسرار الرجال، حتى يتكلم شاربه بما في باطنه وكثير من الناس إذا أرادوا استفهام ما في قلوب الرجال من الأسرار، سقوهم الخمر. وربما يشربون معهم ما لا يسكرون به. وأيضا فالخمر تصد الإنسان عن علمه وتدبيره. فجميع الأمور التي تصد عنها وتوقعها من المفاسد داخل في قوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٤١