تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومضمونه: أن الزاني لا يجوز إنكاحه حتى يتوب. وذلك يوافق اشتراطه الإحصان، والمرأة الزانية لا تحصن فرجها. ولهذا يجب عليه نفي الولد الذي ليس منه. فمن نكح زانية فهو زان، أي تزوجها. ومن نكحت زانيا فهي زانية، أي تزوجته. فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني، فتكون خدنا له لا يأتي غيرها، فإن الرجل إذا كان زانيا لا يعف امرأته فتتشوق إلى غيره فتزني كما هو الغالب على نساء الزاني ومن يلوط بالصبيان فإن نساءهم يزنين ليقضين أربهن وليراغمن أزواجهن. ولهذا يقال: عفوا تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها. فإن الرجل إذا رضى أن ينكح زانية، رضي بأن تزني امرأته. والله سبحانه قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة. فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر. فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا فقد رضيت عمله، وكذلك الرجل. ومن رضى بالزنا فهو بمنزلة الزاني، فإن أصل الفعل هو الإرادة. ولهذا في الأثر من غاب من معصية فرضيها كان كمن شهدها. وفي الحديث:

" المرء على دين خليله "

وأعظم الخلة خلة الزوجين.

وأيضا، فإن الله تعالى جعل في نفوس بني آدم من الغيرة ما هو معروف. فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته، أعظم من غيرته على نفسه أن يزني. فإذا لم يكره أن تكون زوجته بغيا وهو ديوثا، كيف يكره أن يكون هو زانيا؟ ولهذا لم يوجد من هو ديوث أو قواد يعف عن الزنا، فإن الزنا له شهوة في نفسه.

والديوث له شهوة في زنا غيره. فإذا لم يكن معه إيمان يكره من زوجته ذلك، كيف يكون معه إيمان يمنعه من الزنا؟ فمن استحل أن يترك امرأته تزني، استحل أعظم الزنا. ومن أعان على ذلك فهو كالزاني. ومن أقر عليه، ما إمكان تغييره، فقد رضيه. ومن تزوج غير تائبة فقد رضي أن تزني. إذ لا يمكنه منعها. فإن كيدهن عظيم. ولهذا جاز له، إذا أتت بفاحشة مبينة، أن يعضلها لتفتدي. لأنها بزناها طلبت الاختلاع منه وتعرضت لإفساد نكاحه. فإنه لا يمكنه المقام معها حتى تتوب. ولا يسقط المهر بمجرد زناها كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم للملاعن (لما قال مالي) , قال:

" لا مال لك عندها إن كنت صادقا فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبا عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها "

؛ لأنها إذا زنت قد تتوب. لكن زناها يبيح إعضالها حتى تفتدي إن اختارت فراقه، أو تتوب.

وفي الغالب أن الرجل لا يزني بغير امرأته، إلا إذا أعجبه ذلك الغير. فلا يزال يزني بما يعجبه، فتبقى امرأته بمنزلة المعلقة. لا هي أيم ولا ذات زوج. فيدعوها ذلك إلى الزنا، ويكون الباعث لها مقابلة زوجها على وجه القصاص. فإذا كان من العادين لم يكن قد أحصن نفسه. وأيضا فإن داعية الزاني تشتغل بما يختاره من البغايا، فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة. ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة، فتكون عنده كالزانية المتخذة خدنا، وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها.

وعلى هذا، فالمساحقة زانية، كما في الحديث:

" زنا النساء سحاقهن "

والذي يعمل عمل قوم لوط زان، فلا ينكح إلا زانية أو مشركة. ولهذا يكثر في نساء اللوطية من تزني، وربما زنت بمن يتلوط به مراغمة له وقضاء لوطرها. وكذلك المتزوجة بمخنث ينكح كما تنكح، هي متزوجة بزان، بل هو أسوأ الشخصين حالا. فإنه مع الزنا صار ملعونا على نفسه للتخنيث، غير اللعنة التي تصيبه بعمل قوم لوط. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من يعمل عمل قوم لوط. وفي الصحيح أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. وكيف يجوز لها أن تتزوج بمخنث قد انتقلت شهوته إلى دبره؟ فهو يؤتى كما تؤتى المرأة. وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية الزاني بغير امرأته عنها. فإذا لم يكن له غيرة على نفسه، ضعفت غيرته على امرأته وغيرها. ولهذا يوجد من كان مخنثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله، والمرأة إذا رضيت بالمخنث واللوطي، كانت على دينه، فتكون زانية، وأبلغ.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١١٩