تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك المتشبهة بالرجال تحبس، كحالها إذا زنت فإن جنس الحبس مما شرع في جنس الفاحشة.

ومما يدخل في هذا: أن عمر نفى نصر ابن حجاج من المدينة إلى البصرة، لما شبب به النساء. وكان أولا قد أمر بأخذ شعره ليزيل جماله الفاتن، فلما رآه من أحسن الناس وجنتين، غمه ذلك فنفاه إلى البصرة. فهذا لم يصدر منه ذنب يعاقب عليه، لكن كان في النساء من يفتتن به، فأمر بإزالة جماله الفاتن. فإن انتقاله من وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب. وهذا من باب التفريق بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه. وليس من باب المعاقبة. وقد كان عمر ينفي في الخمر إلى خبير، زيادة في عقوبة شاربها.

ومن أقوى ما يهيج الفاحشة، إنشاد أشعار الذين في قلوبهم مرض من العشق ومحبة الفواحش، وإن كان القلب في عاقبة، جعل فيه مرضا، كما قال بعض السلف: الغناء رقية الزنا. ورقية الحية هي التي تستخرج بها الحية من جحرها. ورقية العين والحمة ورقية الزنا. أي: تدعو إليه وتخرج من الرجل الأمر الخبيث. كما أن الخمر أم الخبائث. قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. وقال تعالى:

واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك

[الإسراء: 64] واستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء، كما قاله من قاله من السلف، وبغيره من الأصوات كالنياحة وغير ذلك. فإن هذه الأصوات توجب انزعاج القلوب والنفوس الخبيثة إلى ذلك، وتوجب حركتها السريعة واضطرابها. حتى يبقى الشيطان يلعب بهؤلاء أعظم من لعب الصبيان بالكرة. والنفس متحركة. فإن سكنت فبإذن الله، وإلا فهي لا تزال متحركة. وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس، لا تزال تتحرك عليه. وفي الحديث المرفوع:

" القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا "

، وفي الحديث الآخر:

" مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض، تحركها الريح "

، وفي البخاري عن ابن عمر: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا، ومقلب القلوب "

، ولمسلم عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك "

، وفي الترمذي: كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:

" يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك " قيل: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ فقال: " نعم. القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف يشاء "

انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله.

تنبيه

قال السيوطي في (الإكليل): في قوله تعالى: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا... ﴾ الآية، وجوب الحد على الزاني والزانية، وأنه مائة جلدة. أي: في البكر كما بينته السنة. واستدل بعمومه من أوجب المائة على العبد والذمي وعلى المحصن، ثم يرجم. فأخرج أحمد عن علي أنه. أتى بمحصنة فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ثم قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واستدل الخوارج بالآية على أن حد المحصي الجلد دون الرجم. قالوا: لأنه ليس في كتاب الله. واستدل أبو حنيفة بها على أنه لا تغريب، إذ لم يذكره. وفي الآية رد على من قال: إن العبد إذا زنا بحرة يرجم. وبأمة يجلد. وعلى من قال: لا تحد العاقلة إذا زنى بها مجنون، والكبيرة إذا زنى بها صبي، أو عكسه، لا يحد. وعلى من قال: لا حد على الزاني بحربية أو بمسلمة في بلاد الحرب أو في عسكر أهل البغي. أو بنصرانية مطلقا. أو بأمة امرأته. أو محرم. أو من استدخلت ذكر نائم. واستدل بعمومها من أوجبه على المكره والزاني بأمة ولده والميتة.

قال ابن الفرس: ويستدل بقوله ﴿ فاجلدوا ﴾ على أنه يجرد عن ثيابه. لأن الجلد يقتضي مباشرة البدن. وبقوله: ﴿ مئة جلدة ﴾ على أنه لا يكتفي بالضرب بها مجموعة ضربة واحدة، صحيحا كان أو مريضا. وفي قوله تعالى: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة ﴾ الحث على إقامة الحدود والنهي عن تعطيلها. وأنه لا يجوز العفو عنها للإمام ولا لغيره، وفيه رد على من أجاز للسيد العفو. فاستدل بالآية من قال: إن ضرب الزنا أشد من ضرب القذف والشرب وفي قوله تعالى: ﴿ وليشهد عذابهما... ﴾ الخ استحباب حضور جمع، عند جلدهما. وأقله أربعة عدد شهود الزنا. وقيل عشرة، وقيل ثلاثة وقيل: اثنان. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١١٧