ثم قرأ هذه الآية. وقد كان بعض قضاة المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام، جريا على طريق إياس بن معاوية. انتهى.
وقد أجاد الكلام في الفراسة، الراغب الأصفهاني في كتاب (الذريعة) حيث قال في الباب السابع: وأما الفراسة، فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله، على أخلاقه وفضائله ورذائله.
وربما يقال: هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله. وقد نبه الله تعالى على صدقها بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ [الحجر: 75]، وقوله:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273] وقوله:
ولتعرفنهم في لحن القول
[محمد: 30] ولفظها من قولهم: ( فرس السبع الشاة) فكأن الفراسة اختلاس المعارف. وذلك ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وذلك ضرب من الإلهام، بل ضرب من الوحي. وإياه عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
" المؤمن ينظر بنور الله "
وهو الذي يسمى صاحبه المروع والمحدث. وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن يكن في هذه الأمة محدث، فهو عمر ".
وقيل في قوله تعالى:
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب
الآية [الشورى: 51]: إنما كان وحيا بإلقائه في الروع، وذلك للأنبياء كما قال عز وجل:
نزل به الروح الأمين * على قلبك
[الشعراء: 193-194] وقد يكون بإلهام في حال اليقظة وقد يكون في حال المنام. ولأجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ".
والضرب الثاني من الفراسة يكون بضاعة متعلمة وهي معرفة ما بين الألوان والأشكال، وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية. ومن عرف ذلك كان ذا فهم ثاقب بالفراسة. وقد عمل في ذلك كتب من تتبع الصحيح منها، اطلع على صدق ما ضمنوه. والفراسة ضرب من الظن. وسئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما فقال: الظن بتقلب القلب، والفراسة بنور الرب. ومن قوي فيه نور الروح المذكور في قوله تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] كان ممن وصفه بقوله:
أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه
[هود: 17] وكان ذلك النور شاهدا، أصاب فيما حكم به. ومن الفراسة قوله صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين:
" إن أمرهما بين، لولا حكم الله ".