13.42
﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ أي: مكر الكفار الذين خلوا، إيقاع المكروه بأنبيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاء، وقوله: ﴿ فلله المكر جميعا ﴾ إشارة إلى ضعف مكرهم وكيدهم لاضمحلاله وذهاب أثره، وأنه مما لا يسوء، وأن المكر المرهوب هو ما سيؤخذون به من إيقاع فنون النكال، وهم نائمون على فرش الإمهال، مما لا يخطر لهم على بال، كما يومئ إليه قوله تعالى: ﴿ يعلم ما تكسب كل نفس ﴾ أي: فيوفيها جزاءها المعد لها على ما كسبت من فنون المعاصي، التي منها مكرهم، من حيث لا يحتسبون ﴿ وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ﴾ أي: العاقبة الحميدة، وعلى من تدور الدائرة، وهذا كقوله تعالى:
ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا
الآية [النمل: 50-52].
13.43
﴿ ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ﴾ فإنه أظهر على رسالتي، من الحجج القاطعة والبينات الساطعة. وما فيه مندوحة عن شهادة شاهد آخر. قيل جعل هذا شهادة (وهو فعل والشهادة قول) على سبيل الاستعارة؛ لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى. انتهى. ولا يخفى أن الشهادة أعم من القول والفعل. على أن المراد من تلك الحجج هي آيات القرآن والذكر الحكيم، وهي كلامه تعالى، وقد قال تعالى:
ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي
[يونس: 53].
وقوله تعالى: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ أي: ومن هو من علماء أهل الكتاب فإنهم يجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم من بشارات الأنبياء به. كما قال تعالى:
الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل
[الأعراف: 157] وقال تعالى:
أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل
[الشعراء: 197].
ويروى عن مجاهد أنه عنى ب ﴿ من عنده علم الكتاب ﴾ عبد الله بن سلام. ونوقش بأن السورة مكية، وإسلامه كان بالمدينة. وأجاب البعض بأن بعض السور المكية ربما وجد فيه مدني وبالعكس، وكأن هذه الآية من ذلك.
وقد روى الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في (دلائل النبوة): أن عبد الله بن سلام أسلم قبل الهجرة، حيث رحل إلى مكة قبلها، واستيقن نبوته صلوات الله عليه. ثم آب إلى المدينة وكتم إسلامه إلى أن كانت الهجرة. والله أعلم.