13.4
﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي: بقاع متقاربات مختلفة الطبائع. فمن طيبة إلى سبخة، ومن صلبة إلى رخوة، مما يدل على قادر مدبر مريد حكيم في صنعه ﴿ وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ﴾ جمع صنو، وهي نخلة أصلها واحد وفروعها شتى، وفي (القاموس): النخلتان، فما زاد في الأصل الواحد، كل واحدة منهما صنو. ويضم أو عام في جميع الشجر. وإفراد الزرع لأنه مصدر في الأصل يشمل القليل والكثير ﴿ يسقى ﴾ قرئ بالتحتية والفوقية ﴿ بمآء واحد ﴾ أي: بماء المطر أو بماء النهر ﴿ ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ فتتفاضل قدرا وشكلا ورائحة وطعما. والأكل، قرئ بضم الهمزة والكاف وتسكينها وهو ما يؤكل، وهو هنا الثمر والحب. والمجرور إما ظرف ل ﴿ نفضل ﴾ أو حال من بعضها، أي: نفضل بعضها مأكولا أو: وفيه الأكل ﴿ إن في ذلك ﴾ أي: الذي فصل ﴿ لآيات ﴾ على وحدانيته تعالى وباهر قدرته ﴿ لقوم يعقلون ﴾ فإن من عقل ما تقدم جزم بأن من قدر على إبداعها وخلقها مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح في تلك البقاع المتباينة المتجاورة، وجعلها حدائق ذات بهجة - قادر على إعادة ما أبداه، بل هو أهون في القياس!
13.5
﴿ وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: إن تعجب من شيء فقولهم عجيب حقيق بأن يقتصر عليه التعجب؛ لأن من شاهد ما عدد من الآيات العجيبة التي تدل على قدرة يصغر عندها كل عظيم - أيقن بأن من قدر على إنشائها ولم يعي بخلقها، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره. فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب. وجوز أن يكون خطابا لكل من يصلح له، أي: إن تعجب، يا من نظر في هذه الآيات وعلم قدرة من هذه أفعاله، فازدد تعجبا ممن ينكر، مع هذا، قدرته على البعث، وهو أهون من هذه!
قال أبو السعود: والأنسب بقوله:
ويستعجلونك بالسيئة
[الرعد: 6] هو الأول. و (عجب) خبر قدم على المبتدأ للقصر، والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم ذاك أمرا عجيبا.
وقوله تعالى: ﴿ أولئك ﴾ أي: المنكرون لقدرته على البعث ﴿ الذين كفروا بربهم ﴾ أي: تمادوا في الكفر. فإن من أنكر قدرته تعالى فقد أنكره - لأن الإله لا يكون عاجزا، وفيه تكذيب لخبره ولرسله عليهم السلام ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ أي: السلاسل في أيمانهم مشدودة إلى أعناقهم يوم القيامة؛ لأنهم غلوا أفكارهم عن النظر في هذه الأمور كما جعلوا خالقهم مغلول القدرة على ذلك وهو القادر الحكيم. ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾.