" أشيروا علي "
فكان أبو بكر وعمر يشيران عليه بالمسير وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول
" أشيروا علي "
وكان يحب أن يتكلم الأنصار فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله امض حيث شئت وأقم حيث شئت فوالله لئن أمرتنا أن نخوض البحر لنخوضنه، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام
فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون
[المائدة: 24] ولكن نقول: (اذهب أنت وربك فقاتلا فنحن معكما متبعون) فنزل ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ﴾ يعني القتال. ﴿ يجدلونك في الحق ﴾ يخاصمونك في الحرب ﴿ بعدما تبين ﴾ يعني: بعد ما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به ﴿ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ﴾ يعني ينظرون إلى القتل ثم قال تعالى: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ يعني إما العير وإما العسكر ﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة ﴾ أي: تمنون غير ذات السلاح.
وقال القتبي: ومنه قيل فلان شاك السلاح، ويقال غير ذات الشوكة يعني: شدة القتال ﴿ تكون لكم ﴾ الغنيمة ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ﴾ يعني أن يظهر الإسلام بتحقيقه بما أنزل عليك من القرآن ﴿ ويقطع دابر الكفرين ﴾ يعني يهلك الشرك ويستأصله ﴿ ليحق الحق ﴾ أي يظهر الإسلام ﴿ ويبطل البطل ﴾ يعني الشرك ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ أي: المشركون. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم
" سيروا على بركة الله فإني رأيت مصارع القوم "
وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم. فقال بعضهم لبعض: إنما خرجتم لأجل العير فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين. فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نقتل محمدا ومن معه. فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بدرا بجانب الوادي الأدنى. ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء والوادي فيما بينهما. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة حتى أوتر. وكانت ليلة النصف من شهر رمضان وقال في قنوته:
" اللهم لا تفلتن أبا جهل بن هشام وفلانا "
، فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء فأتاهم الشيطان عند ذلك ووسوس إليهم فقال لهم تزعمون أنكم على دين الله وأنكم تصلون محدثين مجنبين والمشركون على الماء. وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام. فمطرت السماء حتى سال الوادي فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم وشربوا وسقوا دوابهم. فذلك قوله
وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به
[الأنفال: 11] إلى قوله
ويثبت به الأقدام
[الأنفال: 11] وكان علي والزبير يحرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء سقاة قريش يسقون الماء فأخذهم علي والزبير فسألاهم عن أبي سفيان فقالوا ما لنا بأبي سفيان من علم فقالا " فمع " من أنتم؟ فقالوا مع قريش من أهل مكة فقالا كم هم؟ قالوا لا ندري هم كثير. فضرباهم، فقالوا هم قليل فتركاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" تضربونهم إن صدقوكم وتتركونهم إن كذبوكم. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال كم القوم؟فقالوا هم كثير. فلا ندري كم هم. فقال كم ينحر لهم في كل يوم؟ فقالوا في يوم ينحر لهم عشرة جزر وفي يوم تسعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم القوم ما بين تسعمائة إلى ألف وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين. وكانوا قد خرجوا من مكة ألفا ومائتين وخمسين فرجع الأخنس بن شريق مع ثلاثمائة من بني زهرة مع العير وبقي تسعمائة وخمسون رجلا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ورفع يديه وقال: اللهم لا تهلك هذه العصابة فإنك إن أهلكتهم لا تعبد على وجه الأرض أبدا. فقال أبو بكر يا رسول الله قد دنا القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشر يا أبا بكر فإني رأيت جبريل معتجرا بعمامة يقود فرسا بين السماء والأرض "
فأمده الله بجبريل في ألف من الملائكة وميكائيل في ألف من الملائكة وإسرافيل في ألف من الملائكة فذلك قوله