تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.48-51

﴿ وإذ زين لهم الشيطن أعملهم ﴾ يعني: مسيرهم ومعناه أن خروجهم لما كان للشيطان زين لهم الشيطان أعمالهم وذلك أن أهل مكة لما وجدوا العير أرادوا الرجوع ألى مكة فأتاهم إبليس على صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني فقال لهم لا ترجعوا حتى تستأصلوهم فإنكم كثير وعدوكم قليل ثم قال ﴿ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ﴾ يعني لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم ﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ يعني اجتمع الجمعان جمع المؤمنين وجمع المشركين ﴿ نكص على عقبيه ﴾ أي: راجعا وراءه فقال له الحارث ابن هشام أين ما ضمنت لنا؟ ﴿ وقال إني برىء منكم إني أرى ما لا ترون ﴾ فقال له الحارث وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب، والجعاشيش جمع جعشوش وهو الرجل الحقير الدميم القصير فقال ﴿ إني أخاف الله والله شديد العقاب ﴾. قال ابن عباس: خاف إبليس أن يأخذه جبريل أسيرا فيعرفه الناس فيراه الكفار فيعرفونه بعد ذلك فلا يطيعونه، ولم يخف على نفسه الموت والقتل لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ في الصور، قال إبليس إني أرى ما لا ترون أي أرى جبريل معتجرا بردائه يقود الفرس، فلما تولى قالوا هزم الناس سراقة، فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة وقال والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم. فقالوا له ألم تأتنا يوم كذا وكذا؟ فخلف أنه لم يحضر. فلما أسلموا علموا أنه كان إبليس. وقال مقاتل: لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر وذلك أن إبليس جاء بنفسه وحضرت الشياطين وحضر كفار الجن كلهم وتسعمائة وخمسون من المشركين وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، وتسعون من مؤمني الجن وألف من الملائكة وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة كان يقول: طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبارزهم أسد الله، وجهادهم في طاعة الله ومددهم ملائكة الله وجارهم أمين الله وثوابهم رضوان الله. قوله تعالى: ﴿ إذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني شكا ونفاقا. قال الحسن: هم قوم من المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين. وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه. ويقال معناه. إذ يقول المنافقون وهم الذين في قلوبهم مرض. قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرها. فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا وقالوا لأهل مكة ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ وقاتلوا مع المشركين فقتل عامتهم. يقول الله تعالى: ﴿ ومن يتوكل على الله ﴾ يعني يثق بالله ولا يثق بغيره ﴿ فإن الله عزيز ﴾ بالنقمة ﴿ حكيم ﴾ حكم بهزيمة المشركين.

فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وآدبارهم فنزل ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ﴾ يعني ولو ترى يا محمد إذ يتوفى الذين كفروا، يعني حين يقبض أرواح الذين كفروا ﴿ الملئكة يضربون وجوههم ﴾ عند قبض أرواحهم ﴿ وأدبرهم ﴾ ﴿ و ﴾ يقول لهم الملائكة يوم القيامة ﴿ ذوقوا عذاب الحريق ﴾ ولم يذكر الجواب لأن في الكلام دليلا عليه ومعناه لو رأيت ذلك لرأيت أمرا عظيما. قرأ ابن عامر إذ تتوفى الذين بلفظ التأنيث وقرأ الباقون يتوفى بلفظ التذكير. وروي عن ابن مسعود أنه كان يذكر الملائكة في جميع القرآن خلافا للمشركين بقولهم الملائكة بنات الله. ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ يعني ذلك العذاب بما قدمت أيديكم من الكفر والتكذيب وبترككم الإيمان ﴿ وأن الله ليس بظلم للعبيد ﴾ يقول لم يعذبهم بغير ذنب ثم قال عز وجل: ﴿ كدأب آل فرعون... ﴾

بحر العلوم · الصفحة ٤٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٤٥٣