وقال الضحاك: كان سبب نزول هذه الآية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات ليلة إلى البقيع، إلى قبور الشهداء وحده فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال: إن كنت نبيا كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه، فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به، فلم يجترىء للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه ثم رد عليه السيف، فنزل: ﴿ يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ ثم قال: ﴿ واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾. ففي الآية مضمر، فكأنه قال: فاتقوا الله، وتوكلوا على الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم.
5.12-14
قوله تعالى: ﴿ ولقد أخذ الله ميثق بني إسرءيل ﴾ يعني في التوراة من الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه، وأن يعملوا بما في التوراة، ثم قال: ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ﴾ قال مقاتل: يعني شهداء على قومهم بعث الله تعالى من كل سبط منهم رجلا، ليأخذ كل رجل منهم على سبطه الميثاق، يكونوا شهداء على قومهم. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ﴾ قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجلا، أرسلهم موسى - عليه السلام - إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبة منه خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهون سبطهم عن القتال إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافت ويقال: كالوب بن يوقنا، أمرا قومهما بالقتال. وقال القتبي: النقيب، الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبه العرافة، ويقال: نقيبا، يعني أمينا، وقال ابن عباس: نقيبا يعني ملكا، حين بعثهم موسى إلى بيت المقدس، جعل موسى - عليه السلام - عليهم اثني عشر ملكا، على كل سبط منهم ملك. ﴿ وقال الله ﴾ تعالى للنقباء ﴿ إني معكم ﴾ ، ويقال: قال الله لبني إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق في التوراة ﴿ إني معكم ﴾ أي معينكم وحافظكم، وناصركم ﴿ لئن أقمتم الصلوة ﴾ يعني: ما دمتم أقمتم الصلاة ﴿ وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ﴾ يعني صدقتم برسلي ﴿ وعزرتموهم ﴾ يعني أعنتموهم. وقال القتبي: أي عظمتموهم، والتعزيز التعظيم. وقال السدي: يعني نصرتموهم بالسيف. وقال الأخفش: يعني وقرتموهم وقويتموهم. وقال الضحاك: شرفتموهم بالنبوة كما شرفهم الله تعالى. ويقال: آمنتم برسلي: أي أمرتم قومكم حتى يؤمنوا برسلي، ونصرتموهم ﴿ وأقرضتم الله قرضا حسنا ﴾. أي تأمرون قومكم بذلك ثم بين جزاءهم وثوابهم إن فعلوا ذلك فقال: ﴿ لأكفرن ﴾ أي لأمحون ﴿ عنكم سيئتكم ﴾ يعني ذنوبكم ﴿ ولأدخلنكم جنت تجري من تحتها الأنهر ﴾ ثم قال ﴿ فمن كفر بعد ذلك ﴾ العهد والميثاق ﴿ منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ يعني أخطأ قصد الطريق. ثم قال عز وجل: ﴿ فبما نقضهم ميثقهم ﴾ يعني لما أخذ عليهم الميثاق، نقضوا الميثاق فبنقضهم ميثاقهم ﴿ لعنهم ﴾ أي لعنهم الله، يعني طردهم من رحمته ويقال: ﴿ لعنهم ﴾ يعني عذبناهم بالمسخ، ويقال: بالجزية، ثم قال: ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان. قرأ حمزة والكسائي (قسية) بغير ألف، وقرأ الباقون (قاسية) ومعناهما واحد. ويقال: قست فهي قاسية وقسية ثم قال: ﴿ يحرفون الكلم ﴾ والكلم جمع كلمة، يعني يغيرون صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿ عن موضعه ﴾ ، يعني في كتابهم مما وافق القرآن، يعني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم، ويقال: استحلوا ما حرم الله تعالى عليهم، ولم يعملوا به فكان ذلك تغيير الكلم عن مواضعه.
ثم قال: ﴿ ونسوا حظا ﴾ يعني: تركوا نصيبا ﴿ مما ذكروا به ﴾ يعني: مما أمروا به في كتابهم ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ يعني لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد.