تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم

[التوبة: 5] ولم ينسخ قوله ﴿ لا تحلوا شعائر الله ﴾ ، ولكنه محكم فوجب إتمام أمور المناسك. ولهذا قال أصحابنا: (إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك ثم عليه القضاء في السنة الثانية، ونسخ قوله: ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله

وقاتلوا المشركين كآفة

[التوبة: 36] وقوله تعالى ﴿ ولا الهدي، ولا القلئد ﴾ فهو محكم أيضا، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي (وتوجه إلى مكة) ونوى الإحرام صار محرما، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية، فهذه الأحكام معطوفة بعضها على بعض، بعضها منسوخة وبعضها محكمة. فإن قيل: قد قال: يبغون فضلا من ربهم، ورضوانا، فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم، ولم يذكر أن طلبهم كان باطلا، قيل له: لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار، وإنما بين النهي عن التعرض للذين يقصدون البيت، فإن كان الذي قصد كافرا فقد بين في آية أخرى أنه لم يقبل منه، وإن لم يذكر ها هنا وهو قوله:

ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله

[المائدة: 5] وقال: ﴿ وإذا حللتم فاصطدوا ﴾ يعني: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا إن شئتم، فهذه رخصة بلفظ الأمر كقوله

فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض

[الجمعة: 10] وكقوله

وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود...

[سورة البقرة: 187] الآية وقال الضحاك: ﴿ وإذا حللتم ﴾ يعني إذا خرجتم من إحرامكم، وخرجتم من حرم الله تعالى وأمنه فاصطادوا. ثم قال: ﴿ ولا يجرمنكم شنان قوم ﴾ يقول: ولا يحملنكم عداوة كفار مكة ﴿ أن صدوكم عن المسجد الحرام ﴾ يعني عام الحديبية ﴿ أن تعتدوا ﴾ على حجاج اليمامة (من المشركين)، فتستحلوا منهم. وفي الآية دليل: أن المكافأة لا تجوز من غير جنس الذي فعل به وتكون تلك المكافأة اعتداء، لأن الله تعالى قال: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم ﴾ يعني بغض قوم وعداوتهم ﴿ أن تعتدوا ﴾ يعني تجاوزوا الحد في المكافأة قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: (شنآن) بجزم النون وقرأ الباقون (شنآن) بالنصب. وقال القتبي، لا يقال في المصادر فعلان، وإنما يقال ذلك في الصفات مثل عطشان، وسكران، وفي المصادر يقال: فعلان، مثل طيران ولهفان وشنآن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إن صدوكم) بكسر الألف على معنى الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء. ثم قال تعالى: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ يعني تعانوا على أمر الله واعملوا به. وروى ابن عباس: البر: ما أمر الله تعالى به، يعني تحاثوا على أمر الله، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله تعالى عنه، وامتنعوا عنه، وهذا موافق لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" الدال على الخير كفاعله "

وقد قيل: الدال على الشر كصانعه. ثم قال: ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ قال القتبي: العدوان على وجهين: عدوان في السبيل كقوله:

فلا عدون إلا على الظلمين

[البقرة: 193] وكقوله

فلا عدوان علي

[القصص: 28] والثاني عدوان في الظلم، كقوله

فلا تتنجوا بالإثم والعدوان

[المجادلة: 9] وكقوله

ولا تعاونوا على الإثم والعدوان

[سورة المائدة: 2] يعني به حجاج أهل اليمامة وصارت الآية عامة في جميع الناس.

ثم قال: ﴿ واتقوا الله ﴾ يقول واخشوا الله وأطيعوه فيما يأمركم به، ﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ إذا عاقب. قوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ يعني حرم عليكم أكل الميتة، والميتة كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة، فهو حرام، إلا الجراد والسمك فقد أباحهما على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:

" أحلت لنا [دمان وميتتان] السمك والجراد، والكبد والطحال "

ثم قال: ﴿ والدم ﴾ يعني حرم عليكم أكل الدم وشربه، وهو الدم المسفوح، كما قال في آية أخرى:

بحر العلوم · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٢٨٦