28.56-59
شرح الكلمات:
إنك لا تهدي من أحببت: أي هدايته كأبي طالب بأن يسلم ويحسن إسلامه.
وقالوا: أي مشركو قريش.
إن نتبع الهدى معك: أي إن نتبعك على ما جئت به وندعو إليه وهو الإسلام.
نتخطف من أرضنا: أي تتجرأ علينا قبائل العرب ويأخذوننا.
يجبى إليها ثمرات كل شيء: أي يحمل ويساق إليه ثمرات كل شيء من كل ناحية.
رزقا من لدنا: أي رزقا لكم من عندنا يا أهل الحرم بمكة.
بطرت معيشتها: أي كفرت نعمة الله عليها فأسرفت في الذنوب وطغت في المعاصي.
يبعث في أمها رسولا: أي في أعظم مدنها. وهي العاصمة.
إلا وأهلها ظالمون: بالتكذيب للرسول والإصرار على الشرك والمعاصي.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿ إنك لا تهدي...بالمهتدين ﴾ هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في إسلامه لما له من سالفة في الوقوف إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم يحميه ويدافع عنه فلما حضرته الوفاة زاره النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الشهادتين فكان يقول له:
" يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة "
وكان حوله عواده من كفار قريش، ومشائخها فكانوا ينهونه عن ذلك حتى قالوا له: أترغب عن دين أبائك؟ أترغب عن ملة عبد المطلب أبيك حتى قال هو على ملة عبد المطلب ومات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم
" لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك "
فنهاه الله فلم يستغفر له بعد ونزلت هذه الآية كالعزاء له صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ هدايته يا نبينا ﴿ ولكن الله يهدي من يشآء ﴾ هدايته لعلمه أنه يطلب الهداية ولا يرغب عنها كما رغب عنها أبو طالب وأبو لهب وغيرهما، ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ أي بالذين سبق في علمه تعالى أنهم يهتدون.
وقوله تعالى: ﴿ إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ ﴾ هذا اعتذار اعتذر به بعض رجالات قريش فقالوا نحن نعرف أن ما جئت به حق ولكننا نخشى إن آمنا بك واتبعناك يتألب علينا العرب ويرموننا عن قوس واحدة ونصبح نتخطف من قبل المغيرين كما هو حاصل لغيرنا، وبذلك نحرم هذا الأمن والرخاء وتسوء أحوالنا، لهذا نعتذر عن متابعتك فيما جئت به وأنت تدعو إليه من الكفر بآلهتنا وهدمها والتخلي عنها. فقال تعالى في الرد على هذا الاعتذار الساقط البارد ﴿ أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ﴾ أي لم يوطئ لهم أرض بلد حرمناه فلا يسفك فيه دم، ولا يصاد فيه صيد، ولا يؤخذ فيه أحد بجزيرة، أليس هذا كافيا في أن يعلموا أن الذي جعل لهم حرما آمنا قادر على أن يؤمنهم إذا آمنوا وأسلموا، ومن باب أولى.
﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ فهذه علة إصرارهم على الشرك والكفر. إنها الجهل بالله تعالى وعظمته وعلمه وحكمته. ومعنى يجبى أو تجبى إليه ثمرات كل شيء أي يحمل إليه ويساق من أنحاء البلاد ثمرات كل شيء من أنواع الأرزاق وكان ذلك رزقا منه تعالى لأهل الحرم. أفلا يشكرون.
وقوله تعالى ﴿ وكم أهلكنا من قرية ﴾ أي وكثيرا من أهل القرى أهلكناهم ﴿ بطرت معيشتها ﴾ لما بطروا عيشهم فلم يشكروا نعمة الله عليهم فأسرفوا في الظلم والمعاصي فأهلكناهم ﴿ فتلك مساكنهم ﴾ أي ديارهم ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ﴾ كديار عاد وثمود والمؤتفكات. ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ لها، فلم نورثها غيرهم وتركناها خاوية خالية لم تسكن. أما يذكرون هذا فيعلموا بذلك قدرتنا فيتقوا فينا ويتوكلوا علينا ويؤمنوا ويوحدوا ويستقيموا على منهج الحق الذي جئت يا رسولنا به.
وقوله: ﴿ وما كان ربك ﴾ يا أيها الرسول ﴿ مهلك القرى ﴾ أي أهل المدن والحواضر ﴿ حتى يبعث في أمها رسولا ﴾ كما بعثك في أم القرى مكة ﴿ يتلو عليهم آياتنا ﴾ أي لم يكن من سنة الله تعالى هذا بل لا يهلك أمة حتى يبعث في أم بلادها رسولا يتلو عليهم آيات الله المبينة للحق من الباطل والخير من الشر وجزاء ذلك قوله تعالى: ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ أي ولم يكن من سنة الله تعالى في عبادة أن يهلك القرى إلا بعد ظلم أهلها.