تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الناس يعتقدون أن الأستاذ لو ترك خدمة الحكومة ومنصب الإفتاء؛ لأمكنه أن

يعمل للأمة الإسلامية عامة، وللشعب المصري خاصة، أضعاف ما كان يعمل وهو

في الحكومة.

(وثانيهما) التنبيه إلى شيء من الفرق بين تونس ومصر، في حال علماء

الدين، ونسبتهم إلى الحكومة. وإليك ما هو أبلغ من ذلك.

* * *

(جمعية طلاب جامع الزيتونة)

ألف بعض النبهاء من جامع الزيتونة جمعية، يعلم غرضهم منها من الخطبة

الآتية وقد ساعدهم على ذلك بعض شيوخهم الفضلاء. وقد اجتمعوا في اليوم الرابع

من هذا الشهر (المحرم) في المدرسة الخلدونية؛ للمذاكرة في قانون الجمعية،

وحضر اجتماعهم هذا كثير من كبار المدرسين، وكانوا قد اختاروا أحد العلماء،

رئيسا لعملهم في التأسيس ووضع القانون وهو الشيخ الطاهر النيفر، فافتتح الجلسة

بخطاب بليغ في الموضوع.

فقام الشيخ الخضري بن الحسين من العلماء الحاضرين، فشكر له وللتلاميذ

الذين نهضوا بهذا العمل النافع، ثم وزعت الرقاع لانتخاب رئيس وأعضاء

للجمعية، فأجمعت الآراء على اختيار الشيخ محمد رضوان للرياسة، وهو من العلماء

الفضلاء أصحاب الرأي والروية، كما يؤخذ من بعض الجرائد التونسية، وفيها أنه

متقن للغة الفرنسية، ولما يرتق طلاب الأزهر إلى مثل هذا العمل.

ورأينا في جريدة (لسان الأمة) التي صدرت حديثا في تونس صورة

خطبة للشيخ محمد النخلي من كبار العلماء المشهورين، كان أعدها ليلقيها في هذا

الاجتماع، فحال دون ذلك مانع من الحضور، فأحببنا أن ننشر هذه الخطبة برمتها

لما لنا من الحرص على معرفة آراء علماء الدين في الأمور الاجتماعية، ولما فيها

من بيان حقيقة الجمعية، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على

سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ (آل عمران: 103) .

أيها السادة العلماء، والأفاضل الأعيان:

يحسن في هذا المقام أن أصدر هذا الخطاب الوجيز بكلمات حكمية، سارت

سير الأمثال: ليس أحد بأقل من أن يعين، ولا بأكبر من أن يعان. لا تكال الرجال

بالقفزان، المرء بأصغريه: قلبه ولسانه لا بقميصه وطيلسانه.

ليس الحداثة في سن بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب

وهي أمثال إذا تأملنا معانيها، وتدبرنا مغازيها، أكسبتنا حسن الظن، وكامل

الثقة بالمشروع، الذي هيأه لنا أبناؤكم بجامع الزيتونة، وقضت علينا أن نمد لهم يد

المشاركة والمساعدة؛ لإحداث مشروع، افتكره هؤلاء التلامذة؟ ولزمنا بمقتضى

قاعدة الإنصاف، التي هي أخص حلاكم التي تحليتم بها، أن نطهر ضمائرنا من

احتقار الأفكار، وأن نلاحظ المصالح بقطع النظر عن مصدرها، بعين ملؤها

التوقير والاعتبار، هذا وإن نخبة من ناشئة تلامذة الجامع الأعظم دار العلوم

الشرعية أدام الله عمرانه، وشيد بحسن عنايتكم أركانه، انبعث فيهم شعور شريف،

نهض بعزائمهم إلى الشروع في تأسيس جمعية تحت اسم (جمعية تلامذة جامع

الزيتونة) ، واقترحوا على العبد العاجز: أن ألقي خطابا في الموضوع ونتائجه

وألحوا، وقالوا: إن المؤمن أخو المؤمن. وحقا ما قالوا.

أيها السادة: لا أقصد بهذا الخطاب أن أعلمكم ما تجهلون، أو أفيدكم ما أنتم

عنه غافلون، وإنما هو ذكرى لكم ببعض ما تعلمون، والذكرى تنفع المؤمنين،

وتؤكد يقين المستيقنين.

ليست ألسنة التقليد للغير هي التي تأمرنا بلم شعثنا، ومد يد الإعانة لبعضنا،

وإقامة التعارف مقام التناكر، والتواصل مكان التفاصل، حتى نحيي رابطة العلم أو

نمي هذا الشعور،، بل لسان الدين الحنيف الذي نزاول علومه آناء الليل وأطراف

النهار في هذه المدرسة الزاهرة هو الذي يأمرنا بذلك في عمومه وخصوصه،

وتصريحه وتلويحه، لمن سبر أغواره، واستقرأ آثاره، كيف ولا يعزب عنكم ذلك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٣