تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ﴾ ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءا به. ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا ﴾ محكي بعد قول مضمر والإشارة للاستحقار، وإخراج بعث الله رسولا في معرض التسليم يجعله صلة وهم على غاية الإنكار واستهزاء ولولاه لقالوا أهذا الذي زعم أنه بعثه الله رسولا.

﴿ إن ﴾ إنه. ﴿ كاد ليضلنا عن ءالهتنا ﴾ ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يوردها مما يسبق إلى الذهن بأنها حجج ومعجزات. ﴿ لولا أن صبرنا عليها ﴾ ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها و ﴿ لولا ﴾ في مثله تقيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ. ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ﴾ كالجواب لقولهم ﴿ وإن كادوا ليضلنا ﴾ فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له، وفيه وعيد ودلالة على أنه لا يهملهم وإن أمهلهم.

﴿ أرءيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يبصر دليلا، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به. ﴿ أفأنت تكون عليه وكيلا ﴾ حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإنكار.

﴿ أم تحسب ﴾ بل أتحسب. ﴿ أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ﴾ فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب عنه إليه، وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة. ﴿ إن هم إلا كالأنعم ﴾ في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات. ﴿ بل هم أضل سبيلا ﴾ من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم.

﴿ ألم تر إلى ربك ﴾ ألم تنظر إلى صنعه. ﴿ كيف مد الظل ﴾ كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، فغير النظم إشعارا بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس: يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال

وظل ممدود

[الواقعه: 30] ﴿ ولو شاء لجعله ساكنا ﴾ ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾ فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها.

﴿ ثم قبضنه إلينا ﴾ أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف. ﴿ قبضا يسيرا ﴾ قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و ﴿ ثم ﴾ في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادىء أوقات ظهورها، وقيل ﴿ مد الظل ﴾ لما بنى السماء بلا نير، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس عليه دليلا، أي مسلطا عليه مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها، ﴿ ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا ﴾ شيئا فشيئا إلى أن تنتهي غاية نقصانه، أو ﴿ قبضا ﴾ سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٩١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٩١٢