لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
[قريش: 1-4] فسيادة قريش من سيادة البيت ومن جوارهم له وقيامهم على خدمة حجاجه، ولو انهدم البيت لزالت مهابة قريش، وفقدت هذه المكانة. وقوله تعالى: ﴿ وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ﴾ [الشورى: 7] أي: تخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة والجمع في هذا اليوم يكون من عدة وجوه: أولا: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع. ونلحظ على هذا التعبير القرآني ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ [الشورى: 7] أنه سكت ولم يذكر مفعول الفعل تنذر وهو يتعدى إلى مفعولين كما في قوله تعالى:
فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود
[فصلت: 13] فذكر المخوف منه على العموم ولم يذكر مفعول أنذر لماذا؟ لأنه سيأتي لها شرح آخر، ففي قوله تعالى
وأنذرهم يوم الأزفة..
[غافر: 18] أي: أنذر الكافرين وهذا مفعول أول، ويوم الجمع مفعول ثان. وقوله: ﴿ لا ريب ﴾ [الشورى: 7] لا شك ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [الشورى: 7] فما دام هناك تكليف فلا بد أن توجد الطاعة، وأن توجد المعصية، الطائع يثاب والعاصي يعاقب، وهذه سنة حتى عند البشر في أمور حياتهم، بدليل أنهم جعلوا لها قانونا للثواب والعقاب، كذلك في يوم الجمع الذي لا ريب فيه سيكون الناس على قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
في اللغة أسلوب يسمى الاحتباك أي: الأمر المحبوك، وهو أن يحذف من الشيء ما يدل عليه غيره على التقابل، ومن ذلك قوله تعالى:
قد كان لكم آية
[آل عمران: 13] يعني: أمر عجيب
في فئتين التقتا
يعني في حرب
فئة تقاتل في سبيل الله
[آل عمران: 13] وهي الفئة المؤمنة
وأخرى كافرة
[آل عمران: 13] أي: تقاتل في سبيل الشيطان. تأمل هذا النسق القرآني تجده حذف الوصف مؤمنة لأنه دل عليها قوله
تقاتل في سبيل الله
[آل عمران: 13] وفي الأخرى ذكر الوصف كافرة وحذف المقابل أي تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من إحديهما ما دلت عليه الأخرى بالتقابل، وهذا يسمى الاحتباك. وقوله تعالى: ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [الشورى: 7] تفريق بعد الجمع في قوله: ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ [الشورى: 7] والتفريق بعد الجمع أسلوب آخر من أساليب القرآن، وهناك الجمع والتفريق والتقسيم. ومن ذلك قوله سبحانه:
يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه
[هود: 105] هذا جمع
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105] هذا تفريق، ثم يقسم ويفصل القول في كل فريق:
فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ
[هود: 106-108]. لكن لماذا هذا التفريق ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [الشورى: 7] قالوا: لأن الحق سبحانه خلق الخلق وخيرهم حين عرض عليهم الأمانة، وهي أمانة التكليف في قوله تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. يعني: تركنا لهم حرية الاختيار لحمل الأمانة فأشفقت كل المخلوقات من حملها، فاختارت أن تكون مسيرة يتصرف فيها ربها كيف شاء إلا الإنسان والجن، فقد اختار حمل الأمانة.
إنه كان ظلوما
[الأحزاب: 72] أي: لنفسه ﴿ جهولا ﴾ بالعواقب، لأنه قد تضمن نفسك ساعة التحمل، لكنك لا تضمن ساعة الأداء، فقد تحول ظروفك بينك وبين أداء الأمانة، فلأن الإنسان اختار حمل الأمانة واختار الاختيار كان لا بد أن يسأل عن أمانته، وأن يحاسب عليها، أحفظ أم ضيع، وكان لا بد له من دار جزاء وحساب، ففريق في الجنة وفريق في السعير.