تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى

[الإسراء: 110]. الحق سبحانه يعلمنا كيف ندعوه في شتى أمورنا، فمن أراد العلم يدعو العليم، ومن أراد القوة يقول يا قوي قوني، ومن أراد الحكمة يقول: يا حكيم ألهمني الحكمة، ومن أراد سعة الرزق قال: يا باسط ابسط لي الرزق، فإذا أراد كل هذه الصفات قال: يا الله. فهو الاسم الجامع لكل صفات الكمال. وهو سبحانه في تكاليفه لكم ﴿ العزيز ﴾ يعني: غالب لا يغلب، وله صفات العزة والجبروت والغنى والاستغناء عن الخلق. ثم هو سبحانه ﴿ الحكيم ﴾ يعني: حين كلف كلف بقدر وبحكمة ذلك لأن القرآن به تكاليف قد يراها البعض شاقة، لكن إذا أخذنا هذه التكاليف بمصاحبة ثمرتها والثواب عليها نجدها سهلة يسيرة لأنها تدر عليك نفعا تهون أمامه كل المشاق. ألا تراك تتعب في الدنيا ثم تجني من الثمار على قدر تعبك، ألا ترى أن نفاسة النتيجة على مقدار الكد؟ أنت في الدنيا مثلا تزرع الفجل تجده فجلا، وتستطيع أن تأكل منه بعد عدة أيام، وتزرع مثلا الخيار وتأكل منه بعد أربعين يوما والأرز مثلا بعد عدة شهور، وتزرع المانجو فلا تعطيك إلا بعد عدة سنوات.

إذن: إذا كلفك الله بشيء فيه مشقة، فاعلم أن الثمرة على قدرها، واعلم أن الذي أوحى إلى النبي بهذا التكليف عزيز حكيم، فإن كان شاقا في نظرك فمكلفك به غني عنك وعن طاعتك لا يستفيد منه بشيء بل أنت المستفيد، وهو حكيم يعني كلفك بما يؤدي إلى سلامة حركتك في المجتمع. وهذه العزة لله تعالى فهمها إبليس حين قال:

فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82] يعني: بغناك عنهم، وترك الاختيار لهم

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر

[الكهف: 29] وإلا فالذي تريده وتستخلصه لك لا أستطيع أن أقترب منه:

إلا عبادك منهم المخلصين

[الحجر: 40]. إذن: المعركة ليست بين الحق سبحانه وبين إبليس، إنما بينه وبين بني آدم، وهي معركة ممتدة منذ مسألة الأمر بالسجود لآدم وإلى قيام الساعة، وقد ظهر غباء إبليس في الحوار الذي دار بينه وبين الحق سبحانه، ثم بينه وبين سيدنا آدم، ففي قوله:

لأقعدن لهم صراطك المستقيم

[الأعراف: 16] كشف عن خططه وطريق إغوائه لبني آدم، وأنه سيأتيهم في أماكن الطاعات ليفسدها عليهم. لكن الحق سبحانه وتعالى علمنا كيفية التعامل مع هذا العدو، وعلمنا كيف نرده، فقال تعالى:

وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله

[الأعراف: 200] يعني الجأ إلى الله، وذكره بالله لأنه خناس إذا ذكر الله خنس، وهذه وصفة إياك أن تغفل عنها. وظهر أيضا غباؤه وتغفيله في قوله لآدم وحواء وهما في الجنة:

ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

[الأعراف: 20] فلو كان يعلم أنها شجرة الخلد لأكل منها من باب أولى، ولم يسأل الله أن ينظره إلى يوم يبعثون، وهذه غفل عنها آدم أيضا، وقد قال الله في حقه:

ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما

[طه: 115] ولذا لا نعتب على من نسي فإن الموصين بنو سهوان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٩١