تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذين يؤمنون بالغيب

[البقرة: 3] لأن المحس والمشاهد الكل يعرفه ويؤمن به. كذلك الحال في كلام رب العالمين وفي قرآنه الكريم كلام وحروف لها معنى، وحروف أخرى ليس لها معنى واضح نعرفه ونفهم تفسيره، وهذه هي الحروف المقطعة نؤمن بها ونصدق بها على أنها من الغيب.

وسبق أن أوضحنا أن الحروف المقطعة في بدايات السور أخذت نصف حروف المعجم يعني أربعة عشر حرفا، والمتأمل في هذه الحروف يجد لها نظاما ورتابة لم تؤخذ هكذا كيفما اتفق، فلو قسمنا حروف الهجاء إلى تسعة حروف في أولها وتسعة في آخرها ويتبقى عشرة في الوسط نجد الحروف المقطعة أخذت فقط حرفين من المجموعة الأولى هما الألف والحا وترك سبعة، وأخذت سبعة من المجموعة الأخيرة وتركت اثنين، وأخذت من الوسط الحروف غير المنقوطة وتركت المنقوط، إذن: لها موازين ولها حكمة. ونحن نحاول ونفكر في معاني هذه الحروف، ويحوم العقل حول هذه المعاني قد يبلغ بعضها، وقد يقف عاجزا يقول: الله أعلم بمراده، وكل عالم يحاول فهم هذه الحروف أو استجلاء الحكمة منها مجتهد ومثاب، أصاب أو جانبه الصواب. المهم أن الحق سبحانه يريد منا أن نؤمن بهذه الحروف، وأن نقبلها كما هي، عرفنا معانيها أو لم نعرف، فهي أشبه بأسنان المفتاح الذي يعنيك منها أن تفتح لك دون أن تعرف لها نظاما، ويكفي أن صاحبها يعرف أسرارها، وأنها تؤدي لك مهمتها على ما هي. فصحيح أننا نحوم حول هذه المعاني وقد نصل إلى شيء منها، لكن يظل للقرآن إعجازه، وتظل هذه الحروف محتفظة بعطاء متجدد لا ينفد. والقرآن لما تحدى العرب وأعجزهم، البعض فهم من ذلك أنه تقليل من شأن العرب، لكن هذا التحدي يعني براعتهم في هذا المجال وتمكنهم منه وإلا ما تحداهم القرآن، إذن: تحدى القرآن لهم شرف لهم وإعلاء لشأنهم، ويكفي أن الله جعلهم المقياس في هذه المسألة. والقرآن حين تحدى العرب لم يأت بكلمات جديدة ولا بحروف جديدة، فهي نفس الحروف ونفس الخامات التي تتكون منها لغتهم، ومع ذلك ظل كلام الحق سبحانه هو المعجز، ولم يستطيعوا الإتيان بمثله، فوجه الإعجاز هنا أن القرآن كلام الله، الله هو الذي يتكلم، فكلامه معجز لأنه سبحانه يضفي عليه من قدرته، وكلامك أنت أيها العبد غير معجز لأن فيه شيئا من عجزك. وسورة الشورى من سور الحواميم. يعني: السور التي بدأت بقوله تعالى حم وقد رأينا أن هذه الحروف جاءت بحرف واحد مثل ن و ق و ص. وجاءت بحرفين مثل طس. وجاءت على ثلاثة أحرف مثل الم و طسم وجاءت على أربعة أحرف مثل المر و المص. وعلى خمسة أحرف مثل حم عسق و كهيعص وهذه الحروف لا تعرف معانيها، ونؤمن أنها من الغيب الذي يجب علينا التسليم به، وأن نقول في تفسيرها: الله أعلم بمراده.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٨٩