تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإنما أمهات القوم أوعية

مستودعات وللأحساب آباء

ومن العجيب أن أبا لهب قدم للإسلام كما قدم خالد وعمرو وربما أكثر، كيف؟ لأن الله جعله حجة على صدق كلام الله، وعلى صدق رسول الله فيما بلغ عن ربه، فلما قال لرسول الله: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ رد الله عليه:

تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد

[المسد: 1-5]. فحكم الله عليه وهو ما يزال في سعة الدنيا، وما يزال مختارا حرا قادرا على إعلان إيمانه ولو نفاقا، ومع ذلك لم يجرؤ أن ينطق بكلمة التوحيد، ولو نطق بها لكان له أن يقول: إن القرآن كاذب، وها أنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وهكذا أقام الله من هذا الكافر المعاند دليلا على صدق كلامه، وصدق رسوله.

ثم تختم السورة بقوله تعالى: ﴿ إنهم كانوا في شك مريب ﴾ [سبأ: 54] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونصرته عليهم، وعدم تخلي ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع بين الرسل وأقوامهم على مر موكب الرسالة كانت للرسل لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولا ثم يسلمه أو يتخلى عنه. وهذه قضية ذكرت في الكتب السابقة كما ذكرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة قد ضاعت أو حرفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفل الله بحفظه، فهو يتلى كما أنزل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى:

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا

[غافر: 51]. وقال سبحانه:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-172]. لذلك سبق أن قلنا: إن هزم الإسلام في معركة مع غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختل، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختل، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية فيهم ما قامت للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في أحد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرهم من هذا، وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التف عليهم الكفار، وكادوا يهزمونهم. وإن كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أحد لأن المعركة ماعت، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهان عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أحد وانتصرنا، إذن: نقول: الذي هزم في أحد هو من انخذل عن جندية الإيمان، أما الإسلام في حد ذاته فقد انتصر. إذن: كانوا في شك من الغاية التي ينتهي إليها رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

[الزخرف: 87]. والشك يعني عدم الجزم وعدم اليقين، وبينا ذلك بأن نسب الكلام في الكون ست، لكل ثلاث منها اتجاه، فالكلام بداية علم الله سبحانه آدم الأسماء كلها ليتفاهم بها مع غيره، فالكلام يقتضي متكلما ومخاطبا، ولا بد أن يكون المخاطب على علم بمدلول الكلام، بدليل أن العربي لا يفهم الإنجليزي، ولا الإنجليزي يفهم العربي، لا بد من علم بالتواضع في اللغة ليفهم كل منهما عن الآخر. والكلام المفيد هو الجملة التي يحسن السكوت عليها، بأن تعطي معنى مفيدا، فلو قلت مثلا محمد فهي مفردة من مفردات اللغة لا تعطي معنى إلا بنسبة، فتقول: محمد كريم، فأسندت الكرم إلى محمد، وهذا معنى تام، يحسن السكوت عليه.

وإسناد الكرم لمحمد هو معتقد المتكلم به، فإن كان لهذا الكلام وجود بالفعل بأن وجد شخص اسمه محمد، وصفته الكرم، فهذا الكلام المعتقد جازم بالحكم والحكم واقع، فإن كان المتكلم غير جازم بالحكم، مترددا فيه فهذا شك، فالشك فيه نسبة متأرجحة بين النفي والإثبات بحيث تتساوى الكفتان، فإن رجحت واحدة فهي ظن، والأخرى المرجوحة وهم. إذن: كم نسبة للكلام غير المجزوم به؟ ثلاث: الشك والظن والوهم. أما الكلام المجزوم به فإن كان له واقع، وتستطيع أن تدلل عليه فهو علم، وإن لم تستطع أن تدلل عليه فهو تقليد، وإن جزمت به وليس له واقع فهذا جهل، وهذه الثلاث نسب الكلام المجزوم به: علم، وتقليد، وجهل. إذن: الكفار جازمون معتقدون في أن الله هو الخالق، لكنهم شاكون في مسألة البلاغ عن الله، وأنها جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إنهم كانوا في شك مريب ﴾ [سبأ: 54] الشك ذاته يوقع في الارتياب والقلق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٩٩