تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك أراد سبحانه أن تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى بعض الفتن التي تغربل الناس، وتخرج المؤمنين في جانب، والمنافقين في الجانب الآخر، وهذا ما حدث بالفعل في مسألة الإسراء والمعراج مثلا، وفي رحلة الطائف، كلها فتن تمحص المؤمنين. لقد ضيق الكفار على المؤمنين الخناق، حتى جلس رسول الله يفكر في أمرهم ويفتش في رقعة الأرض المعاصرة له، أيها تناسب أصحابه، ويأمنون فيها على أرواحهم وعلى دينهم، فلم يجد صلى الله عليه وسلم إلا الحبشة، فقال لأصحابه:

" اذهبوا إلى الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده ".

وفعلا كان النجاشي عند ظن رسول الله، فأكرم المؤمنين، ورفض أن يسلمهم إلى وفد قريش لذلك كافأه رسول الله بأن وكله في أن يزوجه من أم حبيبة، وكانت لهذه الزيجة حكمة، فالسيدة أم حبيبة هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، لكنه تنصر هناك، وظلت أم حبيبة على إيمانها، فدل ذلك على صدق إيمانها، وأنها ما هاجرت لأجل زوجها، إنما هاجرت لله ورسوله، فكافأها رسول الله هذه المكافأة. فالكفار اشتهوا إيذاء رسول الله وإيذاء المؤمنين مجاهرة، فلم يصلوا من ذلك إلى شيء، فاشتهوا التآمر على رسول الله وقتله، ودبروا له مؤامرة لقتله

ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

[الأنفال: 30] فخيب الله سعيهم،

" وخرج رسول الله من بين شبابهم وفتيانهم، وهو يحثو التراب على وجوههم، ويقول: " شاهت الوجوه ".

والله يقول:

فأغشيناهم فهم لا يبصرون

[يس: 9]. وهكذا حال الله بينهم وبين ما يشتهون من المجاهرة ومن المؤامرة، فحاولوا أن يسحروا رسول الله، بأن يكيدوا له بطريقة خفية فسحره لبيد بن الأعصم، واستعانوا في ذلك بإخوانهم من شياطين الجن، كما قاله سبحانه:

وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم

[الأنعام: 121] لكن خيب الله مسعاهم في السحر أيضا، ولم ينالوا من رسول الله، ولا من منهج الله، وكأن الله تعالى يقول لهم: وفروا على أنفسكم، فرسول الله معصوم من الله، كما خاطبه سبحانه بقوله:

والله يعصمك من الناس

[المائدة: 67]. وقوله سبحانه: ﴿ كما فعل بأشياعهم من قبل ﴾ [سبأ: 54] يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة متبعة في الأمم السابقة، ومعنى ﴿ بأشياعهم ﴾ [سبأ: 54] بأمثالهم من الكفار في الأمم السابقة. والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقا أم كان باطلا، فقوله تعالى هنا: ﴿ كما فعل بأشياعهم من قبل ﴾ [سبأ: 54] دل على أنهم كانوا على باطل، أما قوله تعالى:

وإن من شيعته لإبراهيم

[الصافات: 83] فهذه على الحق.

والمعنى: أنهم أخذوا كما أخذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله وعن نبي الله لذلك حدثت فيهم الزلازل والخسف والصيحة والمسخ.. إلخ. فالأمم السابقة لم تكن مأمونة على أن تدفع عن دين الله بسيفها، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملت السيف ودافعت عن دينها لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خسف، ولا مسخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم. لذلك لما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه دعا عليهم:

رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا

[نوح: 26-27]. أما سيدنا رسول الله فجاءه الملك يعرض عليه الانتقام من كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. وفعلا آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألد أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين. وقد تألم المسلمون كثيرا لأن هؤلاء نجوا من القتل، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضرب ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا خالد، أهذه ميتة ترضي عني الله ورسوله؟ حتى الذين ظلوا على كفرهم من قوم رسول الله كانوا في صالح الإسلام، فمثلا أبو لهب وهو عم رسول الله، وهو الذي قال له: تبا لك، ألهذا جمعتنا، وهو الذي قال عن رسول الله لما مات ولده إنه أبتر يعني مقطوع الذرية، لأن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم، كما قال الشاعر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٩٨