تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمن يجيب المضطر إذا دعاه

[النمل: 62] فلو كنت مضطرا لأجابك لأن المضطر استنفد كل الأسباب الموهوبة له من الله، وعجزت قوته، فلجأ إلى الله المسبب سبحانه، وأغلبنا يدعو الله عن غير اضطرار. إذن: حين لا يجاب دعاؤك، فاعلم أنه دعاء بشر تظنه أنت خيرا، والخير في ألا يجيبك الله، أو أن دعاءك عن غير اضطرار. نعود إلى كلامنا عن المنهج الذي وضعه الله لهداية الناس جميعا، ونقول: الذي آمن بهذا المنهج واهتدى به يعينه الله ويزيده هداية، كما قال سبحانه:

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17] والذي انصرف عنه وضل كذلك يزيده الله من الضلال، ويختم على قلبه، بحيث لا يدخله إيمان، ولا يخرج منه كفر، ذلك لأنه تعالى رب يعين عبده على ما أحب، ويزيده مما يريد. إذن: طالما هناك اختيار في قبول المنهج فلا بد أن توجد هداية، ويوجد ضلال، الهداية تجلب الخير والثواب، والضلال يجلب الشر والعقاب، هنا الحق سبحانه يوضح لنا أن الضلال ينسب إلى النفس، أما الهداية فتنسب إلى الله وإلى منهجه، وقد قال سبحانه في موضع آخر:

مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك

[النساء: 79]. وقال سبحانه قبلها:

قل كل من عند الله

[النساء: 78] لماذا؟ لأنه سبحانه جعل الطريقين ودل الجميع، فإن نظرت إلى الفعل فالله هو الذي أمدك، كما قال سبحانه:

كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما كان عطآء ربك محظورا

[الإسراء: 20]. فالله أعطاك مثلا اللسان تنطق به كلمة التوحيد، أو تنطق به كلمة الكفر والعياذ بالله، فاللسان لم يعصك، لا في هذه ولا في تلك، فمن الذي أعطاك حرية الاختيار؟ الله، لذلك قلنا: لم يكفر كافر قهرا عن الله، أما عدم رضائه عنه، فهذا موضوع آخر. لذلك قلنا: الرجل الذي أعطى لابنه جنيها مثلا - وهو قوة شرائية - وقال له: اذهب إلى السوق واشتر به ما تريد، لكن يرضينى أن تنفقه في شيء نافع، فالذي أعطاه القوة الشرائية أبوه، والذي ترك له الخيار أبوه، وهو قادر أن يحجر عليه ويسلبه هذه القوة، وهذا هو الاختيار.

كذلك الحق - تبار ك وتعالى - يريد أن يذهب الإنسان إليه وهو مختار، وهو قادر ألا يذهب، يريد أن يذهب العباد إليه عن حب، وعن رغبة، وعن إيمان، لا عن قهر وجبروت لأنه سبحانه - كما سبق أن قلنا - يريد قلوبا تخشع، لا قوالب تخضع. فقوله تعالى: ﴿ قل إن ضللت ﴾ [سبأ: 50] يعني: أنا وأنتم سواء في هذه المسألة لأن الضلال نتيجة للسيئات التي تقترفها النفس، فهي سبب الضلال ﴿ قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي ﴾ [سبأ: 50] أما الهداية فمن الله لأنها بسبب منهج الله ﴿ وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ﴾ [سبأ: 50]. لكن النبي صلى الله عليه وسلم متفق وأمته في نسبة الضلال إلى النفس، لكن يختلف عنهم في الهداية ﴿ وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ﴾ [سبأ: 50] فالهداية جاءته صلى الله عليه وسلم من الله مباشرة قبل أن يبعث له رسولا بالرسالة، وقبل أن ينزل عليه وحتى السماء، أما هداية الأمة فبواسطة الرسول الذي يبلغ منهج الله ويأتي بالمعجزة. فهداية رسول الله كانت بداية لما اختاره الله رسولا على هذا الوضع من الهداية، ثم أنزل عليه المنهج لهداية الأمة. وقوله تعالى: ﴿ إنه سميع قريب ﴾ [سبأ: 50] سميع أي: يعرف مطلوبي، ويسمع مني كل نفس، وهو سبحانه مع سمعه قريب مني لا يبطىء علي في الإجابة لأن الفعل من الله تعالى لا يحتاج إلى علاج ومزاولة، إنما الفعل من الله بكن. ثم يرجع الحق سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ليسليه: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٩٣