تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اسمع الشعب ديون

كيف يوحون إليه

ملأ الجو هتافا

بحياتى قاتليه

أثر البهتان فيه

وانطلى الزور عليه

يا له من ببغاء

عقله في أذنيه!!

فالحق يعلمنا كيفية التفكر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية. وهذه المسألة تأخذنا إلى اعتراض المستشرقين على قوله تعالى:

يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون

[الأنبياء: 110]. ووجه اعتراضهم: إذا كان الله تعالى يمتن علينا بعلم ما نكتم، فما الميزة في علم الجهر، وكلنا يعلم الجهر؟ ونقول: الخطاب هنا للجماعة، فالحق سبحانه يعلم ما تكتمون جميعا وما تعلنون، إن اختلطت أصواتكم وتداخلت فهو يعلمها، ويرد كل صوت إلى صاحبه، وعلم الجهر المختلط أعظم من علم المكتوم لأن المكتوم يمكن أن تكون له أمارات تدل عليه، أما علم الجهر المختلط، فيصعب أن تميز بعضه من بعض. كذلك إن كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة لذلك دائما ما نسمع من يقول لخصمه: أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يسبب لواحد منكما إحراجا، أو إذلالا، يتسبب في تغير مسلكك أمامه.

ومعنى ﴿ أن تقوموا لله ﴾ [سبأ: 46] ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما من قام بالأمر يعني: فعله وأداه، وإن كان قاعدا، ومن ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها. ومعنى ﴿ ما بصاحبكم ﴾ [سبأ: 46] يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ من جنة ﴾ [سبأ: 46] جنون لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أن يصفوه بالجنون، وهم لم يروا عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئا مخالفا لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم ساحر، كذلك ظهر كذبهم في قولهم مجنون. ولو خلا الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ منها، وما دام منفردا في هذا التفكر، فلن يخجل أبدا أن يعود إلى الحق لأنه لن ينهزم أمام أحد. وقد تناول القرآن الكريم كل افتراءاتهم على رسول الله، وأظهر بطلانها، فقال تعالى:

إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون

[الحاقة: 40-42]. وقال:

وما صاحبكم بمجنون

[التكوير: 22]. والحق - سبحانه وتعالى - هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكر والبحث مثنى وفرادى لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه وسلم: ﴿ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ﴾ [سبأ: 46]. شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه قرآنا معجزا لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صدق الرسول؟ نقول: لا، إنما منهم من لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم من آمن قبل نزول القرآن، وبمجرد أن قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، والصديق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي عرفوا بها صدقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم أولا، فهي كافية لأن يؤمنوا به إن قال: أنا رسول الله إليكم. أما القرآن فهو معجزة وتحد لمن جحد. لذلك نرى سيدنا رسول الله يذكر قومه بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له،

" فلما بعث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: " أرأيتم لو حدثتكم أن خيلا وراء هذا الوادي جاءت لتغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك من كذب، فقال: " أنا رسول الله إليكم " فقالوا لتوهم: أنت كذاب تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ ".

" وروي في إسلام سيدنا عبد الله بن سلام، وكان أحد أحبار اليهود أنه لما اطمأن قلبه للإيمان بعد ما رأى من أوصاف رسول الله التي ذكرت في كتبهم، وتأكد أنه رسول الله ذهب إليه وقال: يا رسول الله لقد شرح الله صدري للإيمان، وتعلم يا رسول الله أن اليهود قوم بهت، فإذا أسلمت قالوا في ما ليس في، فادعهم يا رسول الله، واسألهم عني، وسوف أعلن إسلامي أمامهم بعد أن تسمع رأيهم في، وفعلا دعاهم سيدنا رسول الله وسألهم: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وجمعوا له كل أوصاف المدح، عندها قال ابن سلام: أما وقد قالوا في ما قالوا: أشهد أنك رسول الله، فقالوا: بل أنت شرنا وابن شرنا. فقال: ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قوم بهت؟ ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٨٩