تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أمولكم * إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم

[محمد: 36-37]. ويحببهم في الإنفاق بنفس هذا المنطق:

ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء..

[محمد: 38]. إذن: مسألة الإنفاق هذه تخرج ضغن الغني، كما أخرجت ضغن الفقير، فهي تحدث استطراقا إيمانيا، واستطراقا اقتصاديا في المجتمع، فصاحب المال يحمد الله على النعمة، ولا يبخل بها على الفقير، والفقير يحمد الله أن جعل النعمة في يد من يجود بها عليه، وهكذا يحدث التوازن في المجتمع. نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: ﴿ ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون ﴾ [سبأ: 34] لماذا أنتم كافرون بما جاء به الرسل؟ الحق - تبارك وتعالى - يريد من العباد ألا يستعلي قوي على ضعيف، وألا يستعلي غني على فقير، وألا يستعلي عالم على جاهل، إنما يريد أن يعم الخير، فمن كانت عنده خصلة من خصال الخير عداها إلى غيره. أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عشقوا هذا كله، فلما جاء الدين ليعدل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه والقضاء على دعوته لأنهم ألفوا السيادة، وألفوا الطغيان، ولا يريدون أن تسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيما متوازنا ما كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أن عم الفساد وطم.

وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، فتحتاج إلى مذكر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك قال سبحانه:

إنمآ أنت مذكر

[الغاشية: 21] يعني: ليس بادئا. والحق سبحانه يبين أن الناس أمام الخير والشر أنواع ثلاثة، فقال الحق سبحانه وتعالى:

ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير

[فاطر: 32]. فالظالم لنفسه هو الذي يفعل السيئة، ولا يلوم نفسه، ولا يندم على سيئته، ولا يتوب منها، فهو يظلم نفسه لأنه يحرمها الجزاء والنعيم الأبدي. والمقتصد هو الذي يتردد بين الحسنة والسيئة، فإن فعل سيئة تذكر ولام نفسه وتاب، ثم يفعل الحسنة لتكفر السيئة، وهؤلاء قال الله فيهم:

خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم

[التوبة: 102]. وقوله سبحانه:

ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا

[فاطر: 32] يراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم: لأن الميراث يعني أن الموروث ينتقل من السابق إلى اللاحق، فأمة محمد ورثت الرسل جميعا في كل أمورهم الخيرية، وتكفلت بأن تردع الشر في كل نواحيه، وبذلك ورثوا الرسالات كلها لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال سبحانه:

كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر

[آل عمران: 110]. وقال تعالى أيضا:

وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

[البقرة: 143]. فالرسول يشهد أنه بلغكم، وأنتم تشهدون أنكم بلغتم من بعدكم، رسولكم فوضه الله في أن يشرع لكم، وفوضكم أنتم في أن تحملوا منهجه من بعده لذلك انقطعت الرسالات بعده صلى الله عليه وسلم لأن أمته ستقوم بمهمة الرسالة، وهذا دليل على أنها أمة، الخيرية فيها باقية إلى قيام الساعة. وقولهم: ﴿ إنا بمآ أرسلتم به كافرون ﴾ [سبأ: 34] بم أرسل الرسل؟ أرسلوا أولا بقضية التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أرسلوا بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أن يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأن يستبدوا كما يشاؤون. لكن قولهم ﴿ بمآ أرسلتم به ﴾ [سبأ: 34] دل على غبائهم لأنهم لم يقولوا مثلا بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أرسلتم به، فهم يعترفون بأنهم مرسلون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم في قولهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٧٧