تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فذكر إنمآ أنت مذكر

[الغاشية: 21]. لذلك، فالإنسان منا حين تتناوبه الأحداث، وتعز عليه الأسباب، ولا يرى منقذا، ترده هذه الفطرة إلى القوة الخفية التي ستنقذه، فتجده يقول مستنجدا ومستغيثا: يا هوه يعني يا هو، وهو ضمير غيبة، إنما أشد إعلاما من الاسم الظاهر، لماذا؟ لأنك حين تقولها لا تنصرف إلا لغائب عن عينك واحد هو الله. لذلك قال سبحانه:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] ولم يقل: قل الله أحد لأنه لا يخطر ببالك حين تقولها إلا الله خصوصا في الشدة، وحين تعز عليك الأسباب، فلا يسعفك إلا ربك، كما قال سبحانه:

ضل من تدعون إلا إياه..

[الإسراء: 67]. وفي الشدة والضيق لا يكذب الإنسان على نفسه ولا يخدعها، فترى حتى الكفار عند الشدة يقولون: يا رب، وتردهم الفطرة إلى الله الحق. لكن ما دام الإيمان الفطري بهذه القوة، ما الذي يطمسه في النفس الإنسانية؟ قالوا: تطمسه الشهوات حين تتحرك في اتجاه مخالف لمنهج الله، فالمنهج يهدف إلى تهذيب الشهوات والغرائز والحد من عنفوانها، ولا يعد هذا تعديا عليها، وإلا فلماذا خلقها؟ لا بد أن لها مهمة، فالغريزة الجنسية مثلا جعلت لبقاء النوع، ولم تجعل للشراسة والعربدة في أعراض الآخرين، كذلك جعل الله الغضب غريزة ولها مهمة. فالحق أباح لك أن تغضب حين تستغضب. لذلك قالوا: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومع ذلك يأمرنا ربنا بالحلم، ويقول سبحانه:

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا..

[المائدة: 8] يعني: لا يخرجك الغضب عن حد الاعتدال، ولا يدعوك إلى الظلم، فالحق سبحانه لا يكبت فيك هذا الشعور، لكن يقيده حتى لا نطغى بسببه. وقصة سيدنا عمر في هذا الموضوع وضعت لنا المبدأ، فيروى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - رأى قاتل أخيه زيد بن الخطاب في المعركة، فانصرف عنه، فذكروه: هذا قاتل أخيك، فقال: وماذا أفعل به، وقد هداه الله للإسلام، فكأن الإسلام برد نار الثأر في نفسه، والإسلام كما علمنا يجب ما قبله.

كذلك الإسلام يجب الغضب - فلما واجه عمر قاتل أخيه قال له: يا هذا أدر وجهك عني، فإني لا أحبك - قالها عمر بما عنده من غريزة الغضب - فقال الرجل: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟ قال: لا. قال: إنما يبكي على الحب النساء، يعني: لا يهمني تحب أم تكره، المهم أن حقي محفوظ. كذلك حب الاستطلاع غريزة، جعلها الله في الإنسان ليكشف بها أسراره في الكون، فلا تجعلها تلصصا على أعراض الناس وأسرارهم. إذن: ما جاء الدين ليكبت الغريزة أو ليقضي عليها، إنما جاء ليعلو بها ويهذبها، ويقف بها عند حد الاعتدال والمهمة التي خلقت من أجلها لذلك قلنا: إن الإسلام يجمع للمؤمن في بعض المواقف بين الشيء ومقابله كما في قوله سبحانه:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..

[الفتح: 29]. ورحم الله الإمام عليا - رضي الله عنه - حين قال:

لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني

إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج

ولي فرس للحلم بالحلم ملجم

ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن رام تقويمي فإني مقوم

ومن رام تعويجي فإني معوج

فالشدة مطلوبة ولها موضعها، والذلة مطلوبة ولها موضعها، إذن: الموقف الإيماني هو الذي يصنعك، والمنهج إنما جعله الله لتستقيم به أمور الحياة، فإذا كلفك الله بشيء يصادم شهوة في نفسك، فلا تقل إن الشرع صادم شهوتي، بل خذها من باب الكرم الواسع، وقل وصادم شهوات الآخرين من أجلي، فالشرع حين قال لك: لا تسرق وأنت واحد قال للملايين: ألا يسرقوا منك. وحين تصطدم الفطرة السوية والتدين الطبيعي بشهوات النفس يبحث الإنسان عن تدين يرضي شهواته ويشبع غرائزه، فهو يريد أن يكون متدينا، وفي الوقت ذاته يريد ألا تقيد شهواته، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، ومن هنا عبد الناس غير الله، ودعك ممن عبدوا الأشجار والأحجار، وتأمل الذين عبدوا الملائكة مثلا، هل أمرتهم بشيء أو نهتهم عن شيء؟ لذلك الحق سبحانه يقول: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله.. ﴾ [سبأ: 22] ولو بحثنا مسألة الشركاء بالعقل لظهر بطلانها وكذبها، فإذا كان لله تعالى شركاء، ومعه سبحانه آلهة أخرى، فأين هم؟ أدروا بأن الله تعالى استبد بالألوهية، وشهد بها لنفسه، وأعلنها صراحة من دونهم؟ إن كانوا على دراية بذلك، فلما تركوه سبحانه يستبد بالألوهية؟ وإن كانوا لم يدروا بذلك فهم آلهة نيام؟ وفي كلتا الحالتين لا يستحقون هذه الألوهية.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٦٥