وقيل يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي..
[هود: 44]. فالأمر الأول للأرض أن تبلع الماء وتتشربه، ثم يا سماء أمسكي ماءك لذلك إذا تشبعت الأرض بالماء نقول: الأرض عننت يعني: امتلأت بالمياه الجوفية، فإن كانت أرضا زراعية لا تخرج زرعا، وإن كانت في المدن أضرت بالمباني، وفاضت في الشوارع وكسرت المواسير... إلخ، ويعرف أهمية الصرف من يتعاملون مع الأرض. وسيل العرم منسوب إلى العرم، وله إطلاقات متعددة، فالعرم هي الحجارة التي تبنى بها السدود، أو هو الجرذ الفأر الذي نقب السد، وأحدث به فجوة نفذ منها الماء، فوسعها وجعلها عينا. وقد رأينا ما فعله الماء في تحطيم خط بارليف، حيث هدى الله أحد مهندسينا جزاه الله خيرا إلى فكرة استخدام ضخ الماء بقوة لإزالة الساتر الترابي الذي كان عقبة في طريقنا للاستيلاء على هذا الخط المنيع وتحطيمه، وفعلا كانت فكرة أدهشت العالم كله. والعرم جمع مفرده عرمة مثل لبن ولبنة، لكن اللبن هو الطوب النى أو الطين، أما العرم فهو الطوب المتحجر.
ثم يقول سبحانه: ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جنتين.. ﴾ [سبأ: 16] من صفاتهما أنهما ﴿ ذواتي أكل خمط.. ﴾ [سبأ: 16] يعني: أبدلهم الله بالجنتين السابق وصفهما بجنتين أخريين، لكن ثمارهما ﴿ أكل خمط.. ﴾ [سبأ: 16] يعني: ثمر مر تعافه النفس، وأشجارهما ﴿ وأثل وشيء من سدر قليل ﴾ [سبأ: 16]. والأثل: هو شجر الطرفاء، وهو قليل النفع لا ثمر له، والسدر: هو شجر النبق المعروف، وهو شجر قليل الفائدة. فكيف يسمى هذا جنة؟ قالوا: سماها الحق جنة على سبيل التهكم، وإلا فليس في الجنة مثل هذا الشجر. ونلحظ أن الحق سبحانه رحيم بهم حتى في العقاب، فلم يجعلها خاوية ولا شيء فيها. ثم يقرر الحق تبارك وتعالى أن ما نزل بهم ليس ظلما لهم، إنما جزاء ما فعلوا ﴿ ذلك.. ﴾ [سبأ: 17] يعني: ما سبق ذكره من الأكل الخمط والأثل والسدر ﴿ جزيناهم.. ﴾ [سبأ: 17] أي: جزاء لهم ﴿ بما كفروا.. ﴾ [سبأ: 17] والكفر ستر النعمة، وهؤلاء ستروا نعمة الله حين ظنوا أنهم يأكلون من جهدهم وسعيهم وملكهم، وستروا نعمة الله حين لم يلتفتوا إلى المنعم سبحانه ولم يشكروه، فما أطاعوا في
كلوا من رزق ربكم..
[سبأ: 15] وما أطاعوا في
واشكروا له..
[سبأ: 15]. ثم ينزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: ﴿ وهل نجزي إلا الكفور ﴾ [سبأ: 17] وجاء بالكفور وهي صيغة مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو سبحانه لا يجازي منهم إلا الكفور أي: المصر على الكفر المتمادي فيه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة... ﴾.