وقطعناهم في الأرض أمما..
[الأعراف: 168]. يعني: ليس لهم وطن مخصوص، وسوف ينساحون في الدنيا كلها، ولن يتمكن أحد من ضربهم والقضاء عليهم، وهم على هذه الحالة من التقطيع، حتى يأتي أمر الله، ويجمعهم في مكان واحد، وعندها سيسهل القضاء عليهم. ومعنى كلمة ﴿ آية.. ﴾ [سبأ: 15] نقول: فلان آية في الكرم، وفلان آية في الأدب.. إلخ، والمراد شيء عجيب نادر الوجود، والحق سبحانه حدثنا عن أنواع ثلاثة من الآيات: آيات كونية مثل:
ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر..
[فصلت: 37]
ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت..
[فصلت: 39]. وآيات بمعنى معجزات وخوارق للعادة، تأتي على أيدي الرسل لتؤيدهم وتثبت صدقهم في البلاغ عن الله، كما في قوله تعالى:
اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء..
[القصص: 32]. ثم تطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة لأحكام الله في القرآن الكريم، وهذه كلها - سواء كانت آيات كونية، أو معجزات، أو آيات القرآن - كلها عجائب، وإن كانت هذه العجائب واضحة في الآيات الكونية وفي المعجزات، فهي أيضا واضحة في آيات الكتاب الحكيم، فالقرآن عجيبة في تنظيم حياة الناس بدليل أن الكافر به سيضطر إلى الأخذ بأحكامه والانصياع لقوانينه، لا على أنها دين، ولكن على أنها قوانين حياة. وسبق أن مثلنا لذلك بأحكام الطلاق التي طالما نقدوها وهاجموها، واتهموا دين الله - ظلما وجهلا - بالقسوة، ثم بعد ذلك نراهم يلجئون إليه، ولا يجدون حلا لبعض مشكلاتهم إلا في الطلاق وفي الرجوع إلى أحكام الله، مع أنهم غير مؤمنين به، وهذا منتهى الغلبة لدين الله أن يرجع إليه الكافر به، إنها غلبة الحق وغلبة الحجة.
وسبق أن قلنا: إن أحد المستشرقين سألنا في سان فرانسيسكو قال: في القرآن
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
[الصف: 9]. وبعد أربعة عشر قرنا من الزمان ما زال في الدنيا يهودية ومسيحية وبوذية... إلخ، وهذا الكلام يدل على عدم فهم لمعنى الآيات، فليس المراد
ليظهره على الدين كله..
[الصف: 9] أن يصبح الناس جميعا مؤمنين، بدليل قوله تعالى
ولو كره المشركون..
[الصف: 9]. إذن: فالدين سيظهر ظهور حجة وظهور غلبة على تقنيناتهم، وسوف يطرأ عليهم من مشكلات الحياة ما لا يجدون له حلا إلا في شرع الله، وهذا هو الظهور المراد في الآية. ثم يوضح الحق - تبارك وتعالى - ماهية الآية التي كانت لسبأ في مسكنهم، فيقول سبحانه: ﴿ جنتان عن يمين وشمال.. ﴾ [سبأ: 15] وما دام الله تعالى وصف هاتين الجنتين بأنهما آية، فلا بد أن فيهما عجائب، وأنهما يختلفان عن الجنان التي نعرفها. وقد حدثنا العلماء عن هذه العجائب فقالوا عن هاتين الجنتين: لا تجد فيهما عقربا، ولا حية، ولا ذبابا، ولا برغوثا... إلخ، فإن طرأ عليهما طارئ، وفي جسمه قمل فإنه يموت بمجرد أن يدخل إحدى هاتين الجنتين، وهذه كلها عجائب في الجنتين. ونلحظ هنا أن الآية مفرد والعجائب كثيرة لأن كلمة آية تطلق على الجمع أيضا، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا عيسى عليه السلام:
وجعلنا ابن مريم وأمه آية..
[المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، قالوا: لأن الأمر العجيب الذي جمعهما واحد، فعيسى عليه السلام ولد من لا ذكورة، وأمه حملت وولدت كذلك من لا ذكورة، فالآيتان آية واحدة. ومعنى: ﴿ جنتان عن يمين وشمال.. ﴾ [سبأ: 15] يحتمل أن يكون لكل واحد منهم جنتان، واحدة عن اليمين، والأخرى عن الشمال، وبيته في الوسط، ويحتمل أن تكون الجنتان لأهل سبأ جميعا، بمعنى أنها جنان موصولة عن اليمين، وجنان موصولة عن الشمال وصلا لا يميز بسور ولا حائط، مما يدل على أن الأمن كان مستتبا بينهم، وقد شاهدنا مثل هذا في أمريكا، حيث الحقول والمزارع ممتدة متصلة لا يفصلها إلا مجرد سلك بسيط. وقوله سبحانه ﴿ كلوا من رزق ربكم واشكروا له.. ﴾ [سبأ: 15] كيف نفهم ﴿ كلوا من رزق ربكم.. ﴾ [سبأ: 15] والناس جميعا يأكلون من رزق الله؟ قالوا: الناس يأكلون من رزق الله بالأسباب، إنما هذا رزق الله مباشرة بلا أسباب لذلك يقول تعالى في موضع آخر