تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الملك: 14]. إذن: ما دخلك أنت في هذه المسألة؟ ولماذا تنكرها؟ وتأمل قوله سبحانه:

ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته..

[الرعد: 13] فجمع بين تسبيح الرعد وهو جماد وتسبيح الملائكة، وهم على أجناس المخلوقات، وأين وجه الدلالة في تسبيح الملائكة؟ فلماذا العجب، وقد ثبت أن لكل شيء لغة تناسبه، وقد رأينا لغة للهدهد، ولغة للنمل.. إلخ. فعظمة سيدنا داود أنه فهم لغة الجبال، وسمع تسبيحها، ووافق تسبيحها تسبيحه، كذلك ﴿ والطير.. ﴾ [سبأ: 10] يعني: يا طير أوب مع داود، وردد معه التسبيح. ﴿ وألنا له الحديد ﴾ [سبأ: 10] وهذه معجزة أخرى لسيدنا داود، وإذا قال الله عدة أشياء، ثم حدث في الواقع أنه صدق في واحدة، ألا أصدقه في الأخرى؟ فإذا قال سبحانه ﴿ وألنا له الحديد ﴾ [سبأ: 10] فلا بد أن نصدق بذلك، وأن نعتقد أن الحديد صار في يد سيدنا داود مثل طين الصلصال الذي يشكله الأطفال كيفما أرادوا، لأن البعض يرى أن ﴿ وألنا له الحديد ﴾ [سبأ: 10] يعني: علمه الله أن النار تذيب الحديد، ولو أن الأمر كذلك فليس فيه معجزة، ولا ميزة على غيره من الناس. وللحديد ميزات عدة، وأنواع مختلفة، وتتوقف مدى أهميته على مدى صلابته، ولأهميته أنزله الله من عل كما أنزل الكتب لذلك تكلم سبحانه في سورة الحديد عن الرسل مثل موسى وعيسى - عليهما السلام - وتكلم عن إنزال الكتب، وقال عن الحديد:

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..

[الحديد: 25]. ومعلوم أن الإنزال يأتي من جهة العلو، فالحق سبحانه أنزل الكتب ينطق بها الرسل لهداية المهتدى الذي يسمع، وأنزل الحديد لردع العاصي وزجره، ففي الحديد بأس شديد في وقت الحرب، ومنافع للناس في وقت السلم.

لذلك قال تعالى بعدها:

وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز

[الحديد: 25] ينصره في أي شيء؟ ينصره في الحديد، وفي استخدامه وقت الحروب، وسيدنا داود - عليه السلام - آتاه الله، وأنزل عليه هذا وهذا: الكتاب للهداية، والحديد للحرب. لذلك قال له: ﴿ أن اعمل سابغات.. ﴾ [سبأ: 11] يعني: دروعا واسعة، وهي عدة الحرب يلبسها الجندي على مظان الفتك، وخاصة على الصدر لأن بداخله القلب والرئتين، ولم يقل له اعمل فأسا ولا محراثا مثلا لأن هذه لمنافع الأرض، والله يريد ما يحمي المنهج ويزجر العاصي. وكانت الدروع قبله تصنع ملساء يتحرك عليها السيف ويتزحلق، وربما أصاب منطقة أخرى من الجسم، وكانت تصنع على قدر ما يحمي الصدر، فعلمه الله أن تكون واسعة لتحمي أكبر قدر ممكن من الجسم، فقال ﴿ أن اعمل سابغات.. ﴾ [سبأ: 11]. وعلمه كذلك أن تكون على شكل حلق متداخلة ﴿ وقدر في السرد.. ﴾ [سبأ: 11] يعني: أحكم تداخل هذه الحلق بعضها في بعض، حتى إذا ما نزل عليها السيف ثبت على إحداها ولم يتحرك. وكان درع الإمام علي - كرم الله وجهه ورضي عنه - ليس لها ظهر، فقالوا له: ألا تتخذ لدرعك ظهرا؟ فقال: ثكلتني أمي، إن مكنت عدوي من ظهري. فتأمل أن الله تعالى لم يعلم نبيه داود أولا وسائل السلم، إنما علمه أولا وسائل الحرب وإعداد العدة لمن نقض كلمة الله، وحاد عن منهجه، علمه أن يعد له ما استطاع من قوة. ومعنى: ﴿ وقدر في السرد.. ﴾ [سبأ: 11] اجعلها بتقدير دقيق وإحكام في النسج، قال العلماء: السرد: الحلق التي يتكون منها الدرع، وبها خروق توضع فيها المسامير التي تثبت الحلق بعضها إلى بعض. فمعنى ﴿ وقدر في السرد.. ﴾ [سبأ: 11] يعني: لا تجعل الخرق واسعا، لا يثبت فيه المسمار، ولا تجعله ضيقا فيغلق المسمار الحلقة، وقال آخرون: ﴿ وقدر في السرد.. ﴾ [سبأ: 11] يعني: اعمل منها على قدر ما تحتاج، ولهذا المعنى قصة: يروى أن سيدنا داود - عليه السلام - كان يأكل من بيت مال المؤمنين لأنه المتولى لأمرهم، فأنزل الله ملكا في صورة رجل، وجعل الناس يسألونه: كيف يعيش داود؟ فقال: فيه كثيرون من خصال الخير، إلا أنه يأكل من بيت المال، فلما بلغت هذه الكلمة داود غضب وتألم لها وبكى، ثم قال: يا رب لم جعلت في هذه المسألة؟ فعلمه الله صناعة الدروع ليعيش منها. فكان يصنع الدرع بأربعة آلاف يعيش منها حتى تنفد، فيصنع درعا آخر وهكذا، فلما أمره الله بصناعة الدروع قال { وقدر في السرد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٤٩