تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51]. إذن: سيوجد في الكون مضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال في الخلق ويدعون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم فما شاهدوا عملية الخلق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على تفاصيل الخلق. لذلك تقوم هذه الأقوال في خلق الإنسان وخلق السماء والأرض دليلا على صدق هذه الآية، فما موقف هذه الآية - إذن - إذا لم تقل هذه الأقوال؟ ومثال ذلك الذين يحلو لهم التعصب للقرآن الكريم ضد الحديث النبوي يقول لك أحدهم: حدثني عن القرآن، سبحان الله، أتتعصب للقرآن ضد الرسول الذي بلغك القرآن، وما عرفت القرآن إلا من طريقه؟ يعني الواد رباني لا يعترف إلا بالقرآن. ونقول لمثل هذا الذي يهاجم الحديث النبوي: أنت صليت المغرب ثلاث ركعات، فأين هذا من القرآن؟ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" يوشك الرجل يتكىء على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما كان حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ".

لماذا؟ لأني أقول لكم من باطن قول الله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. بالله، لو لم يوجد الآن من يقول بهذا القول، فماذا سيكون موقف هذا الحديث؟ وكيف لنا أن نفهمه؟ لقد فضحهم هذا الحديث، وأبان ما عندهم من غباء، فقد كان بإمكانهم بعد أن عرفوا حديث رسول الله أن يمسكوا عن التعصب للقرآن ضد الحديث النبوي، فيكون الحديث ساعتها غير ذي معنى لكن هيهات. نعود إلى موضوعنا، ونحن بصدد الكلام عن خلق السماوات وخلق الأرض، واستواء الحق - تبارك وتعالى - على العرش، وهاتان المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ [الفرقان: 59] لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلع عليها أحد فيخبرك بها. وكلمة: سأل الإنسان لا يسأل عن شيء إلا إذا كان يجهله، والسؤال له مراحل: فقد تجهل الشيء ولا تهتم به، ولا تريد أن تعرفه، فأنت واحد من ضمن الذين لا يعرفون، وقد تجهل الشيء لكن تهتم به، فتسأل عنه لاهتمامك به، فمرة نقول: اسأل به. ومرة نقول: اسأل عنه. والمعنى: اسأل اهتماما به، أي: بسبب اهتمامك به اسأل عنه خبيرا ليعطيك ويخبرك بما تريد، فهو وحده الذي يعرف خبايا الأمور ودقائقها، وعنده خبر خلق السماوات وخلق الأرض، ويعلم مسألة الاستواء على العرش لذلك إن سألت عن هاتين المسألتين، فلا تسأل إلا خبيرا. والذين قالوا في قوله تعالى: ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ [الفرقان: 59] أي: ممن يعلم الكلام عن الله من أهل الكتاب نقول: لا بأس لأنه سيؤول إلى الله تعالى في النهاية.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٠٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٠٥٣