إن أجري إلا على الله..
[هود: 29]. وفي موضع آخر يقول سبحانه:
إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين
[يونس: 72] فما العلاقة بين الأجر وبين
وأمرت أن أكون من المسلمين
[يونس: 72]؟ كأن المسلم ينبغي عليه أن يعمل العمل، لا لمن يعمل له، ولكن يعمله لله ليأخذ عليه الأجر الذي يناسب هذا العمل من يده تعالى، إنما إن أخذه من صاحبه فهو كالذي " فعل ليقال وقد قيل " وانتهت المسألة، وربما حتى لا يشكر على عمله. لذلك وردت هذه العبارة على ألسنة كل الرسل:
ومآ أسألكم عليه من أجر..
[الشعراء: 109] وليس هناك آية طلب فيها الأجر الظاهر إلا هذه الآية التي نحن بصددها: ﴿ قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ [الفرقان: 57]. وقوله تعالى:
إلا المودة في القربى..
[الشورى: 23]. ومعنى: ﴿ إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ [الفرقان: 57] أي: سبيلا للمثوبة، وسبيلا للأجر من جهاد في سبيل الله، أو صدقة على الفقراء.. إلخ. وقوله: ﴿ إلا من شآء.. ﴾ [الفرقان: 57] تدل على التخيير في دفع الأجر، فالرسول لا يأخذ إلا طواعية، والأجر: ﴿ أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ [الفرقان: 57] من الجهاد والعمل الصالح، فكأن أجر الرسول العمل للغير، لتأخذ أنت الأجر من الله، فالرسول لا يأخذ شيئا لنفسه. ونلحظ في آيات الأجر أنها جاءت مرة
أجرا..
[الأنعام: 90] ومرة ﴿ من أجر.. ﴾ [الفرقان: 57] و البعض يرى أن من هنا زائدة، وهذا لا يقال في كلام الله، عيب أن نتهم كلام الله بأن فيه زيادة، فكل حرف فيه له معناه. وسبق أن ضربنا لمن هذه مثلا بقولنا: ما عندي مال، وما عندي من مال. فالأولى نفت أن يكون عندك مال يعتد به، لكن قد يكون عندك القليل منه، أما القول الثاني فيعني نفي المال مطلقا بداية مما يقال له مال، إذن: فأيهما أبلغ في النفي؟ فمن هنا تفيد العموم. لذلك يقول تعالى:
أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير..
[المؤمنون: 72] لماذا؟ لأنه سيعطيك ويكافئك على قدره هو، وبما يناسب جوده تعالى وكرمه الذي لا ينفد، أما الإنسان فسيعطيك على قدره وفي حدود إمكاناته المحدودة.
ملحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء، وهي أحفل السور بذكر مسألة الأجر، حيث تعرضت لموكب الرسل، فذكرت ثمانية هم: موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب. تلحظ أن كل هؤلاء الرسل قالوا:
إن أجري إلا على رب العالمين
[الشعراء: 109] عدا إبراهيم وموسى عليهما السلام لم يقولا هذه الكلمة، لماذا؟ قالوا: لأنك حين تطلب أجرا على عمل قمت به لا يكون هناك ما يوجب عليك أن تعمل له مجانا، فأنت لا تتقاضى أجرا إن عملت مثلا مجاملة لصديق، وكذلك إبراهيم - عليه السلام - أول ما دعا إلى الإيمان دعا عمه آزر، ومثل هذا لا يطلب منه أجرا، وموسى عليه السلام أول ما دعا دعا فرعون الذي احتضنه ورباه في بيته، ولو طلب منه أجرا لقال له: أي أجر وقد ربيتك وو.. إلخ. الآية الأخرى في الاستثناء هي قوله تعالى:
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى..
[الشورى: 23] فكأن المودة في القربى أجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رسالته، لكن أي قربى: قربى النبي أم قرباكم؟ لا شك أن النبي الذي يجعل حب القريب للقريب ورعايته له هو أجره، يعني بالقربى قربى المسلمين جميعا، كما قال عنه ربه عز وجل:
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم..
[الأحزاب: 6].