فبما رحمة من الله لنت لهم..
[آل عمران: 159] كأنك لم تلن لهم بطبعك لأن عنادهم وأذاهم كان سيرغم طبعك على أن تكون قاسيا معهم ولكن رحمة الله شملتك فلنت لهم
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك..
[آل عمران: 159]. هذا يعني أن الداعية لا بد أن يكون رحب الصدر، رحب الساحة، ذلك لأنه يخرج أهل الضلال عما ألفوه إلى شيء يكرهونه، فلا تخرجهم من ذلك بأسلوب يكرهونه، فتجمع عليهم شدتين، إنما تلطف معهم، كما قال عز وجل لموسى وهارون عندما أمرهما بدعوة فرعون:
فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى
[طه: 44]. لأن الذي بلغ من عناده أن يتكبر لا على المخلوقين أمثاله، إنما يتكبر على الخالق فيدعي الألوهية لا بد أن تأتيه بأسلوب لين لطيف. وفي آية أخرى يعلم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يجادل المشركين، فيقول سبحانه:
قل لا تسألون عمآ أجرمنا..
[سبأ: 25] وهل يتصور الإجرام من رسول الله؟! وفي المقابل:
ولا نسأل عما تعملون
[سبأ: 25] مع أن منطق الجدل هنا أن يقول: ولا نسأل عما تجرمون، لكنه نسب الإجرام لنفسه، ولم يذكره في حق الآخرين، فهل هناك تلطف وترقيق للقلوب فوق هذا؟ الحق - تبارك وتعالى - يعرض لكل هذه المسائل ليثبت أن رسوله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان قومه، وأنه لم يدخر وسعا في سبيل هدايتهم وجذبهم إليه لدرجة أنه حمل نفسه فوق ما يطلبه الله منه، حتى قال له ربه:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. وقال:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]. يعني: مهلك نفسك من أجل هدايتهم، وما عليك إلا البلاغ، ولا يقول له ربه هذا الكلام إلا إذا كان قد علم منه حرصا ورغبة أكيدة في هداية قومه. ومعنى: ﴿ أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ﴾ [الفرقان: 34] قوله تعالى ﴿ شر.. ﴾ [الفرقان: 34] ولم يقل أشر لأن معناها: أن الجهة الثانية فيها شر، وهذا أيضا من إرخاء العنان للخصم. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن أقوام الرسل السابقين: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب... ﴾.