وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]. وقال عن الكفار:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] إذن: ما يميز المؤمنين عن الكافرين أنهم لا يحجبون عن رؤية ربهم عز وجل بعد أن تغير تكوينهم الأخروي، فأصبحوا قادرين على رؤية ما لم يروه في الدنيا. وإذا كان البشر الآن بتقدم العلم يصنعون لضعاف البصر ما يزيد من بصرهم ورؤيتهم، فلماذا نستبعد هذا بالنسبة لله تعالى؟ لذلك، تجد المسرفين على أنفسهم يجادلونك بما يريحهم، فتراهم ينكرون البعث، ويبعدون هذه الفكرة عن أنفسهم لأنهم يعلمون سوء عاقبتهم إن أيقنوا بالبعث واعترفوا به. ومن المسرفين على أنفسهم حتى مؤمنون بإله، يقول أحدهم: ما دام أن الله تعالى قدر علي المعصية، فلماذا يحاسبني عليها؟ ونعجب لأنهم لم يذكروا المقابل ولم يقولوا: ما دام قد قدر علينا الطاعة، فلماذا يثيبنا عليها؟ إذن: لم يقفوا الوقفة العقلية السليمة لأن الأولى ستجر عليهم الشر فذكروها، أما الأخرى فخير يساق إليهم لذلك غفلوا عن ذكرها. وقولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا.. ﴾ [الفرقان: 21] وهذا يدل على تكبرهم واعتراضهم على كون الرسول بشرا، وفي موضع آخر قالوا:
أبشر يهدوننا..
[التغابن: 6]. إذن: كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشرا، وهذا الاستدراك يدل على غبائهم، فلو جاء الرسول ملكا ما صح أن يكون لهم قدوة، وما جاء الرسول إلا ليكون قدوة ومعلما للمنهج وأسوة سلوك، ولو جاء ملكا لأمكنه نعم أن يعلمنا منهج الله، لكن لا يصح أن يكون لنا أسوة سلوك، فلو أمرك بشيء وهو ملك لكان لك أن تعترض عليه تقول: أنت ملك تقدر على ذلك، أما أنا فبشر لا أقدر عليه. فالحق سبحانه يقول: لاحظوا أن للرسل مهمتين: مهمة البلاغ، ومهمة الأسوة السلوكية، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتى لهم البلاغ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قدوة ونموذجا يحتذى.
ولو جاء الرسول ملكا على حقيقته ما رأيتموه، ولاحتجتم له على صورة بشرية، وساعتها لن تعرفوا أهو ملك أم بشر، إذن، لا بد أن تعود المسألة إلى أن يكون بشرا، لذلك يقول سبحانه:
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام: 9]. ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه، وهذا يعني أنهم يريدون دليل تصديق على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وسبق أن جاءهم رسول الله بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وعجزوا أن يجاروه فيها، ليثبت أن ذلك جاء من عند ربهم القوي، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله صدق عبدي في كل ما يبلغ عني. وما دامت المعجزة قد جاءت بتصديق الرسول، فهل هناك معجزة أولى من معجزة؟ لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلا على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وأيضا جاءكم بغيبيات لا يمكن أن يطلع عليها إنسان، لا في القديم الذي حدث قبل أن يولد، ولا في الحديث الذي سيكون بعد أن يولد. إذن: فدليل صدق الرسول قائم، فما الذي دعاكم إلى اقتراح معجزات أخرى؟ وقولهم: ﴿ أو نرى ربنا.. ﴾ [الفرقان: 21] والله، لو كان إله يرى لكم ما صح أن يكون إلها لأن المرئي محاط بحدقة الرائي، وما دام أحاط به فهو - إذن - محدود، ومحدوديته تنافي ألوهيته. وإلا فالمعاني التي تختلج بها النفس الإنسانية مثل الحق والعدل الذي يتحدث عنه الناس وينشدونه ويتعصبون له، ويتهافتون عليه لحل مشاكلهم وتيسير حياتهم: أتدرك هذه المعاني وأمثالها بالحواس؟ كيف تطلب أن تدرك خالقها عز وجل بالحواس؟ لذلك يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ﴾ [الفرقان: 21] استكبر وتكبر: حاول أن يجعل نفسه فوق قدره، وكل إنسان منا له قدر محدود. ومن هنا جاء القول المأثور: " رحم الله امرء عرف قدر نفسه ". فلماذا إذن يتكبر الإنسان؟ لو أنك إنسان سوى فإنك تسعد حين نمنع عنك من يسرقك، أو ينظر إلى محارمك أو يعتدي عليك، فلماذا تغضب حينما نمنعك عن مثل هذا؟ النظرة العقلية أن تقارن بين ما لك وما عليك، لقد منعنا يدك - وهي واحدة - أن تسرق، ومقابل ذلك منعنا عنك جميع أيدي الناس أن تسرق منك، منعنا عينك أن تمتد إلى محارم الآخرين، ومنعنا جميع الأعين أن تمتد إلى محارمك فلماذا إذن تفرح لهذه وتغضب من هذه؟ كان يجب عليك أن تحكم بنفس المنطق، فإن أحببت ما كان لك وكرهت ما كان لغيرك فقد جانبت الصواب وخالفت العدالة.